كيف نجعل الإعلام فرصة أردنية ؟!

عطاف الروضان

باتت التغييرات المتسارعة في الأدوات الإعلامية، وتنوع المحتوى من حيث المصادر، ومن نوعية العاملين والمنخرطين في هذا القطاع، تفرض علينا رؤية مختلفة له؛ إذ لم تعد الأدوار التقليدية من نقل الأخبار والمعلومات الموثوقة، وتشكيل الوعي، والتعبير عن الرأي العام، هي فقط ما يؤثر بهذا القطاع والعاملين فيه.

فكل ما يحدث يجعلنا نتساءل: كيف يتم تنظيم الإعلام وإدارته، سواء في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بطيفها: التجاري والترفيهي، وحتى المجتمعي القائم على فكرة إعلام مستقل ببنية حقوقية؟

ضمن رؤية التحديث الاقتصادي 2022 وما بعدها، تم تصنيف الإعلام ضمن الصناعات الإبداعية، بالإضافة إلى الإنتاج الرقمي وصناعة المحتوى، بل إن الحكومة نفسها بدأت منذ العام الماضي إلى النظر إلى الإعلام كقطاع استثماري رقمي، وبرز ذلك بوضوح بمشاريع تنظيم الإعلام الرقمي والاستثمار فيه.

وعليه، لا مجال أمامنا كمهتمين أو عاملين في الإعلام إلا استثمار الفرصة، وتوسيع بؤر توقعاتنا من هذا القطاع، بحيث يُنظر إليه كقطاع استثماري، بل وصناعي فيما يتعلق بإنتاج المحتوى وتوفير الأدوات والبيانات الرقمية، وفتح المجال لأفق حر للإنتاج الإعلامي، لا تقيده بيروقراطية ولا حزم تضييق تشريعية أو مالية أو إدارية؛ بحيث نعيد الرؤية للأردن كحاضنة للإنتاج الإعلامي الإبداعي العربي، لما يتوفر لديها من إمكانات بشرية بخبرات عميقة متراكمة، تسلحت أجيالها الجديدة بمهارات وأدوات رقمية تقودنا للمستقبل.

وهذا كله يحميه فضاء سياسي واجتماعي آمن، طموح لتعزيز فرص التنمية وتوزيع عوائدها على الجميع، ليفتح فسحة أمل أمام شباب أردني واعد تؤرقه البطالة وشح الفرص؛ إذ إن لديهم القدرة الأكيدة على تكوين مجتمع إعلامي رقمي يتمتع بمعايير مهنية عالية، ورغبة كبيرة لعكس صورة مشرقة لكل ما يحدث أردنيًا بل وإقليميًا. وهنا لا أتحدث عن بُعد، إذ حظيت شخصيًا بنعمة التعرف على كفاءات شبابية إعلامية أردنية في مختلف المحافظات، لكنها للأسف تتوق للفرصة والمساحة فقط!

العديد من التشريعات الإعلامية الإيجابية تم إقرارها، وبخاصة الرقمية منها، وهذا من شأنه أن يحقق الفرص الحقيقية للشباب للانخراط بشكل مهني في صناعة المحتوى بمعايير عالية، دون الانزلاق إلى الشائعات والأخبار الكاذبة والمغلوطة، كما هو الحال بآفة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا لا يمكن إغفال الحديث العقلاني والرؤية المنفتحة لجلالة الملك عبد الله الثاني للإعلام، حيث أشار الملك مرارًا إلى ما يتم تداوله على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وأهمية التعامل معه بواقعية وعدم التأثر بسلبيته؛ إذ إن من ينشغل بالعمل الحقيقي والمنتج على الأرض لا يهمه ما يدور في فضاء افتراضي إلكتروني غير مهني.

كما أن ولي العهد يملك رؤية ثابتة واضحة تجاه ما يجب الانتباه له في عمل الإعلام، خاصة الرقمي منه، وذلك لهامش الخطورة الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي، وهذا لا يعني بالضرورة الابتعاد والانطواء، وإنما الانتباه والتعلم.

طبعًا، في الأردن لسنا وحيدين أمام وضوح سطوة مواقع التواصل الاجتماعي وهامش خديعة الذكاء الاصطناعي الواسعة؛ فالمؤسسات الإعلامية في العالم أجمع اضطرت أن تخوض سباقًا وتنافسًا غير متكافئ مع علو موجة الرقمنة وتفوق أدواتها وسطوة من يملكها، وبات إنتاج المحتوى اليوم مقيدًا بأدوات لم نعرفها في دولنا بعد للأسف، ومنحازًا لمن يملك تلك الأدوات، والوعي الذي يملكه تم تشكيله أصلًا، والعبث فيه لأسياد التكنولوجيا في العالم دون أن نعي ذلك، وحتى لو عرفناه فإننا لا نملك التخلص منه.

وهو ما يبعث على الشك، بل الخوف أحيانًا، ولا يترك مجالًا أمامنا إلا طرح أسئلة جوهرية عن شكل الإعلام الحالي ومدى جدواه وجديته: ما هي المعايير اليوم التي يجب اعتمادها لتقييم الإعلام ودوره وأهميته؟ كيف يحافظ الإعلام على رسالته ودوره الأساسي تجاه المجتمعات والأجيال القادمة وتشكيل وعيها وحماية الحقيقة، في الوقت الذي أصبح فيه ليس فقط النص مثار شك، بل الصوت والصورة، وبالتأكيد حتى الفيديوهات بصور ولسان وأسماء أصحابها؟!

وهذا ما يجعل الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف في الثالث من أيار كل عام، صعبًا للغاية في هذه الأوقات التي تمر فيها الحريات الإعلامية ودقة المعلومات والبيانات وموثوقيتها بتحديات حقيقية. وعليه، لا نستطيع تجاهل: كيف لأحد أو جهة أو خبير أن يقيم الإعلام اليوم وهو لا يثق بكل ما سلف؟!