عن هول ما حدث في أعظمية الأردن

كانت مترددة لحظة إعطائي الإشارة لها لتبدأ الحديث؛ وقد بدأت بنبرة حشرها شغف البكاء، أثناء ذلك، كان زوجها يتصارع مع عينيه كي لا يبكي أكثر، معتذرا عن الحديث.بذلك، كان كلامها المنقول عن وحي ما حدث على دوار شارع الأعظمية في الهاشمي الجنوبي بتاريخ الواحد والعشرين من شباط أشبه بقصة نسمعها دائما تقع في العراق، نسجت تفاصيلها من هول واقع لا يرحم، هي أم محمد تلك التي ربت أولادها حيث لم تفارقهم يوما على حساب أهلها في مصر المهاجرة عنهم منذ العام 1974.

اليوم أفضل عن ذي قبل، وألم الحزن أخف قليلا، ولكن ليس للذاكرة متسع من ما خزنته عن ابنها وائل ابن 29 ربيعا، هو فارق حياته بعد ان خرجت دماؤه عن سيرها الطبيعي لتنزف جروحا تركها خنجر شق طريقه من صدره حتى أعلى معدته.
 
تلك اللحظات التي توسطت لقائي بعائلة القتيل وائل الكيالي، مشبعة بالحزن ولا يغطيها المجاملات "الله يرحموا، القتيل يشفع عن أهله وسيمسك بالقاتل يوم القيامة وسيقول لـ لله انظر ماذا فعل بي هذا القاتل بالدنيا لقد قتلني وسيأخذه إلى النار وسيذهب هو إلى الجنة".. رددت الوالدة تلك الكلمات مستندة على ما قاله لها شيخ الجامع المجاور لبيتهم.
 
في ما إياد الشقيق الأصغر للراحل ينظر بحنق وثورة غضب لم تخفها عينيه الدامعتين، ولا يصمت عن ذكر ما حصل أمامه وبزاويته "كنت حينها أقف بعيدا وسمعت صوت بريك سيارة السرفيس التي يعمل بها أخي وائل هرعت مسرعا وأشقائي إلى الدوار  بسبب احتقان بين شابين وشتما لعضهما البعض وكانت ردة فعل الشاب ومن ثم أبيه وشقيقه واقفوا وائل عنوة من سيارته وسط الشارع ومزقوا ملابسه وطعنوه وقد هجمت على الشباب وكان أبيهم يضرب وائل وهو ينزف دما في هذه الأثناء قام أحد أصدقائه على نفس الخط بنقله إلى مستشفى الأمير حمزة وانتظرنا خارج غرفة العمليات وأخبرونا انه توفي وجاء الأمن ونقلونا إلى المخفر وفتح العطوة الأمنية".
 
أم محمد وأثناء حديثنا عن ابنها، قبضت بيديها الصلبتين على صورة ابنها، وقتها سارعت يداي لمسك الكاميرا لتصويرها بهذه الحالة قفز صوت من الغرفة التي كنت أنا وهي وزوجها وأولادها وأحد الأصدقاء.. "احملي يا أم محمد صورة وائل الكبيرة"..قالت "أحب الصور لحبيبي تلك التي احملها"..
 
ليس للغضب مكان طالما انه سيكبد الإنسان خسارة لا تقل بشاعة عن تلك التي نراها في صور الحروب، تلك الأم لا تكف عن البكاء والكلام الذي اختلط الدمع به بنحيب صامت.."هي جريمة كبرى، كله غيرة من ابني" وابنها يعمل سائق سرفيس على خط الهاشمي الجنوبي..
 
وما حصل "ثلاثة رجال من الحارة؛ أب وأولاده الآخرين هجما على سيارة وائل لأجل إيقافه رغما عنه ونزل حينها من سيارته، كانت لحظات عصيبة، كنت أذكر أني هجمت على جموع من الرجال وقد تجمهر الشباب وائل كان غارقا بين الرجال لا أدري أين هو وأي حال وصل إليه، هجمت على الأب الذي كان شريكا في تلك المجزرة وقبضت بيدي على رقبته لأجل ثنيه عن الاستمرار، أذكر انه أوسعني شتما، ولم أصمت؛ حينها هرعت إلى محله وأصرخ وأريد أن أحطم ما تراه عيناي..أثناء ذلك كان زوجي وبقية أولادي وسط الجموع..للحظة رأيت الدماء تنتشر على جسد ابني الملقى على الأرض؛ حينها صرخت".
 
غضب!
ثورة الغضب التي تولد قتلى لا يحكمها العقل؛ والدراسات العلمية تعتبر أسبابها "غير عقلانية" وخارج السلوك الإنساني، الغضب كصورة من صور الانفعال النفسي تؤثر على قلب الشخص الذي يغضب تأثرا وهو ما يزيد من عدد مرات انقباضاته في الدقيقة الواحدة فيضاعف بذلك كمية الدماء التي يدفعها القلب والتي تخرج منه إلى الأوعية الدموية مع كل واحدة من هذه الانقباضات أو النبضات بالتالي يثور الإنسان والتصرف يخرج عن السياق الطبيعي..
 
ما من أحد الجيران استطاع ان يضبط ما وقع "الرجال تعاركوا ووائل صريعا" كان ملقا على الطريق حيث اخذ الدماء المسال منه شكلا سرياليا أضاف الجديد على الشارع المعبد حديثا قرب الجزيرة الوسطية..
 
المشاجرات الناتجة عن سلوك غير منضبط، لا تخلو في شتى المناطق من العاصمة عمان، هي في مجملها لا توّلد قتلى، لكنها تترك مكانا في نفوس من يتسببون بها وتنتهي في المطاف الأخير بالمخافر..وتُفتح الملفات وتقيد ضد المتسببين.
 
وتنتشر في مناطق عدة وخاصة تلك التي تشهد كثافة سكانية عالية، ويظهر شبابا يلقبون "بمخاوي الحارة" أو "الأزعر" حيث يفرض سطوة نفسية على الشباب وما أن تقع أي مشكلة ما يتداعى الشباب لأجل إشراك ذاك الشاب ليكون عنصرا رادعا..تلك الأجواء تظهر جليا في أحياء مختلفة من العاصمة مثل:  "حي الطفايلة" و"حارة الليل" في ماركا الشمالية، تشكل مرتعا لتلك التصرفات.
 
..وائل الذي يعمل منذ سنوات في السرفيس لا يختلف عن أبناء جيله إذ يعمل سائقا في منطقته منذ الصباح حتى المساء.."كان يحّمل الختيارات مجانا، وكان يجمع قرابة العشرين دينارا يوميا ويوزعها علينا"..وفق الأم المكلومة.
 
المثير للجدل ان احد أبناء المتسبب بقتل وائل والمشترك في الجريمة "رجل أمن" كان عنصرا فاعلا في القتل..وإياد الشقيق يقول: "رجل أمن يتسبب بجريمة، أنظر إلى الأمن ماذا فعل"..لكنه لم يرتد لباسه الرسمي أثناء الجريمة..وفق شهادة الشهود.
 
عطوة الأمن!
ودخلت العائلة في "العطوة الأمنية" وتقول الأم: "طلبنا بعد سجن المجرمين الثلاثة ان لا يتم استبعاد باقي أفراد عائلتهم عن منطقتنا، فما ذنب العموم وأولادهم"، تقول أم محمد "أولادهم يدرسون في مدراس الجبل ولا ذنب لهم، وقت جاءني عموم الجناة وقدموا التعزية لنا وتمنوا أن يقدموا أي مساعدة..وما هي المساعدة بعد خسارة ابني".
 
"العطوة الأمنية" هي حق عام، يقوم به الأمن العام ويعتبر مصدر مسؤول في الأمن العام، أن العطوة الأمنية "ليست قانونية" لكن يقوم بها رجال الأمن العام من باب "دور اجتماعي لأجل تهدئة النفوس إلى أن يتم الإصلاح بين الطرفين".. وتبقى العطوة مارس من قبل كبار العشائر.  
 
أثناء نقل وائل إلى مستشفى الأمير حمزة والعائلة في المستشفى، جاء الأمن وبدأت التحقيقات الجنائية، الأم والأب والأشقاء الخمسة، ينتظرون ما ستسفر عنه محاولات الإسعاف.."ابني بخير طمئنوني"..لكن النتيجة "الله يرحمه يا حجة"..
 
الآن، تجلس أم محمد في بيتها، وتذكر آخر أحاديثها مع وائل "بدي اخذك يما واجبلك هدية حلوة بعيد الأم"..يختلط بكاؤها بحشرجة خانقة "الله يرضى عليك يما..الله يرحمك يما برحمته"..
 
الهاشمي الجنوبي الملاصق للشمالي منه، والمطل على جبل الجوفة والأشرفية مؤسس على جموع من البيوت الأسمنتية الملتصقة بعضها ببعض، حيث يوحد الفقر القاطنين، ويفتقد الكثير من الشباب فرصهم في التعليم وبالتالي العمل لينزحون إلى مهن حرفية وصناعية أما الجزء الآخر منهم يرزح تحت ملف "عاطل عن العمل".
 
بمرور شهر على رحيل وائل وهو الذي أحب دوما أن يلقب بأبو بلقيس أرادت أمه ان تجعل من موته رسالة  إلى شباب جيله والعائلات الأردنية.."لسنا مع القتل وحب الدم، لا نريد عطوات وما نريده هو ان يقوم الأمن العام  بالحق العام..ولعائلة القتلى لهم الله ولا نريد القتل والرد بالمثل".
 
بالمجمل، لا يعاني الأردن من ارتفاع في معدلات الجريمة التي تودي بالقتل وفق "البحث الجنائي" لكنها تظهر بشكل جلي بين قضايا تتعلق بما اصطلح عليه بـ"الشرف" أو تلك التي تشهد احتقان بين أفراد عشيرتين معتقدين عندها ان الثأر ليس إلا ردا للاعتبار.. لكن الأمن العام أعلن سابقا عن تعامله مع 60 جريمة قتل خلال الفترة من 1/6/2007 وحتى 31/10/2007، اكتُشاف منها 56 جريمة فيما بقي 4 جرائم قيد التحقيق، متعاملة مع 7626 جريمة إيذاء كما تم اكتشاف 7555 جريمة منها.
 
عائلة وائل كيالي لا تريد أي تعويض لمحي ما حدث وما يطلبونه "ان لا تتكرر الحادثة" ويفقد شاب حياته ويكون ضحية مثل وائل..