خبراء: توحيد التعليم خطوة إصلاحية ونجاحها مرهون بالتطبيق والشفافية

بعد نقاشات استمرت لأيام  تحت قبة البرلمان، أقر مجلس النواب مؤخرا مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، في خطوة تعد من أبرز محاولات إعادة هيكلة قطاع التعليم في الأردن، عبر توحيد المرجعيات التعليمية تحت مظلة وزارة واحدة، تمتد صلاحياتها من التعليم المدرسي وصولا إلى التعليم العالي والتدريب المهني.

وزير التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عزمي محافظة، خلال مداخلاته تحت القبة، يصف القانون بالنقلة النوعية في إدارة الملف التعليمي، مشيرا إلى أن توحيد المرجعيات من شأنه تقليل الازدواجية في القرارات، وتسريع وتيرة الإصلاح.

القانون الجديد، الذي يتكون من 29 مادة، لا يقتصر على إعادة تنظيم إداري، بل يتضمن إطارا شاملا لإدارة العملية التعليمية، يشمل تحديد أيام الدوام، وإتاحة التعليم عن بعد في الظروف الطارئة، وتنظيم الامتحانات الوطنية، وتعزيز الرقابة على المؤسسات التعليمية، إلى جانب ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.

وشهدت جلسات مجلس النواب نقاشات موسعة عكست تنوع الآراء بين التأييد والتحفظ، حيث أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب الدكتور خميس عطية أن مشروع القانون يمثل محطة مفصلية في تطوير المنظومة التعليمية، مشددا على أهمية الوصول إلى صيغة توافقية تعزز الحوكمة والشفافية.

في المقابل، أبدى النائب صالح العرموطي تحفظات على بعض بنود القانون، خاصة ما يتعلق بتركيز الصلاحيات، معتبرا أن التوسع في المركزية قد يحد من مرونة اتخاذ القرار، داعيا إلى ضمان استقلالية المؤسسات التعليمية وتعزيز الرقابة البرلمانية.

ويضم قطاع التعليم أكثر من 2.3 مليون طالب في التعليم المدرسي، ونحو  330 ألف طالب جامعي، مما يعزز الحاجة إلى وجود مرجعية موحدة قادرة على إدارة هذا الحجم الكبير بكفاءة وتكامل.

 

منظومة تعليمية متكاملة

يؤكد الخبير التربوي الدكتور محمد أبو عمارة أن توحيد التعليم العام والعالي تحت مظلة واحدة يمثل خطوة إصلاحية مهمة، مشددا على أن نجاحها مرهون بجدية وفاعلية التطبيق، مشيرا إلى أن التنفيذ السليم لما أعلن عنه سينعكس إيجابا على مجمل العملية التربوية.

ويوضح أن هذه الخطوة تمثل تحولا نوعيا نحو بناء منظومة تعليمية متكاملة، تبدأ من مرحلة رياض الأطفال وتمتد حتى التعليم الجامعي، في مقابل النظام السابق الذي اتسم بوجود فجوة واضحة بين مرحلتي التعليم المدرسي والعالي، مضيفا أن دمج المرجعيات التعليمية من شأنه تحقيق انسجام في السياسات، عبر وضع خطة تعليمية متكاملة ترافق الطالب منذ المراحل المبكرة وحتى دخوله سوق العمل، بما يعزز وضوح الرؤية ويحدّ من حالة التشتت التي تؤثر على اختيارات الطلبة، خاصة في مرحلة الثانوية العامة.

من جانبه، يرى الخبير التربوي الدكتور عايش النوايسة أن إعادة هيكلة الوزارة تمثل نقلة نوعية في فلسفة إدارة التعليم، وتعكس استجابة ضرورية للتحولات التربوية والتنموية.

ويؤكد أن هذا التوجه يتجاوز الجانب التنظيمي، ليعيد تعريف دور الوزارة كمؤسسة استراتيجية تُعنى برسم السياسات، مقابل التوسع في اللامركزية وتمكين المديريات من تنفيذ المهام.

 

 

تطوير المناهج وربطها بسوق العمل

ويرى أبو عمارة أن التوحيد، إذا ما طبق بالشكل الأمثل، سيعزز التنسيق بين الكوادر التعليمية في المدارس وأعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات، الأمر الذي سينعكس على تطوير المناهج لتصبح أكثر ارتباطا باحتياجات سوق العمل.

كما يشير إلى أن هذا التكامل سيسهم في تحديث أساليب التدريس وتنمية مهارات الطلبة، بما يقلص الفجوة التي يواجهها الطالب عند انتقاله من المدرسة إلى التعليم العالي أو إلى سوق العمل.

ويؤكد أن تحسين جودة مخرجات التعليم يتطلب إعادة النظر في المناهج وآليات التقييم، لافتا إلى ضرورة تجاوز الاعتماد على الاختبارات التقليدية، واعتماد أدوات تقييم أكثر شمولا تعكس قدرات الطلبة الحقيقية، إلى جانب تطوير أسس القبول الجامعي بحيث لا تقتصر على نتائج الثانوية العامة فقط.

فيما يتعلق بسوق العمل، يلفت أبو عمارة إلى أن القانون قد يسهم في تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، من خلال تعزيز التواصل بين المؤسسات التعليمية والقطاعات الاقتصادية، مشيرا إلى أهمية توجيه الطلبة نحو تخصصات تتوافق مع فرص العمل الفعلية، بدلا من التوجه العشوائي نحو تخصصات تقليدية مشبعة، مثل الطب والهندسة، رغم محدودية فرص العمل فيها محليا.

كما يحذر من تأثير التحولات التكنولوجية، خصوصا في مجال الذكاء الاصطناعي، على مستقبل الوظائف، متوقعا اختفاء عدد من المهن خلال السنوات المقبلة، مما يستدعي إعادة توجيه السياسات التعليمية نحو تخصصات أكثر مواكبة لهذه التغيرات.

أما النوايسة يرى أهمية تحديد الصلاحيات خلال المرحلة الانتقالية، لتجنب التداخل وضمان كفاءة التنفيذ، مؤكدا ضرورة ربط التعليم بتنمية الموارد البشرية عبر مواءمة المخرجات مع احتياجات السوق.

ويدعو النوايسة إلى اعتماد نهج تدريجي في تفويض الصلاحيات، وتطوير أنظمة متابعة رقمية، وبناء شراكات حقيقية مع سوق العمل، مع تحديد فترة انتقالية تمتد بين عامين إلى ثلاثة أعوام، تتخللها مراجعات دورية لضمان تحقيق الأهداف المرجوة.

تظهر بيانات رسمية أن معدل البطالة في الأردن بلغ نحو 22%، فيما تتجاوز بطالة الشباب 46%، في وقت تشير فيه تقارير إلى أن ما يقارب 60%  من خريجي الجامعات يعملون في وظائف لا تتوافق مع تخصصاتهم، مما يعكس فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.

ويضيف وزير التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عزمي محافظة أن الوزارة ستعمل على بناء نظام تعليمي مرن يستجيب للمتغيرات العالمية، مشيرا إلى أن نحو 65% من الوظائف المستقبلية ستتطلب مهارات رقمية وتقنية متقدمة، مما يحتم إعادة توجيه السياسات التعليمية.


الجدل حول الطعن بنتائج الثانوية العامة

وعلى صعيد آخر،  يرى أبو عمارة أن قرار الإبقاء على عدم السماح بالطعن في نتائج الثانوية العامة توجه يفتقر إلى المبررات، خاصة في ظل وجود نماذج دولية تتيح مراجعة النتائج وإعادة تصحيحها.

ويوضح أن العديد من الأنظمة التعليمية تعتمد آليات لإعادة التدقيق مقابل رسوم، مع قبول احتمالية تغيير النتيجة، مؤكدا أن مثل هذه الإجراءات تعزز الشفافية وتخفف من التوتر لدى الطلبة.

ويشير إلى أن خبراته العملية أظهرت وجود حالات تم فيها تعديل نتائج طلبة بعد إعادة التصحيح في اختبارات دولية، داعيا إلى تبني آلية مماثلة في الأردن تتيح للطلبة مراجعة نتائجهم، بما يعزز الثقة بالنظام التعليمي ويحافظ على الصحة النفسية للطلبة.

وحول التحديات المحتملة، يشير  أبو عمارة إلى أن أبرزها يتمثل في مقاومة التغيير داخل المؤسسات التعليمية، إلى جانب البيروقراطية وتداخل الصلاحيات، ما قد يعيق التنفيذ الفعال.

كما يشدد على ضرورة توفير التمويل الكافي لتنفيذ الإصلاحات، وتأهيل الكوادر البشرية القادرة على إدارة هذا التحول، وتعزيز ثقافة العمل التكاملي المبنية على التخطيط لمسار الطالب التعليمي بشكل شامل.

ويحذر النوايسة من تحديات مرتبطة بمقاومة التغيير، وغموض الأدوار، وتفاوت جاهزية المديريات، مما يتطلب وجود قيادات مؤهلة، وبنية إدارية ومالية مرنة، وثقافة مؤسسية قائمة على المساءلة والإنجاز.

ويشدد على أن نجاح هذا التحول يعتمد على إطار تشريعي واضح، وآليات فعالة للمتابعة والتقييم، إلى جانب بناء دعم مجتمعي وإعلامي، ووضع خطة وطنية بأهداف محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

ويأتي إقرار القانون ضمن جهود رسمية لتطوير منظومة تعليمية متكاملة، تواكب المعايير الدولية، وتنسجم مع الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية (2016–2025)، ورؤية الأردن 2025، إلى جانب مخرجات مشروع التحديث الاقتصادي، في مسعى لبناء نظام تعليمي أكثر كفاءة وارتباطًا باحتياجات المستقبل.