حداد: "المبادرة الليبرالية" صوت لمن يشبهنا.. والأردن لم يعد مجتمعاً محافظاً بالمعنى التقليدي

أكد الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور رومان حداد، أن "المبادرة الليبرالية" التي أطلقت مؤخراً في الأردن تمثل تياراً فكرياً يسعى لإثبات وجوده في الفضاء العام، مشدداً على أن الهدف الأساسي ليس "الوصول للسلطة" بمفهومها الضيق، بل إيجاد حالة من النقاش الفكري والبرامجي الذي يفتقده المشهد السياسي الحالي.

وكشف حداد أن المبادرة تضم مجموعة من الشباب (دون سن 35 عاماً) الذين عملوا على مدار عام ونصف من العصف الذهني لإنتاج أدبيات وقيم ليبرالية واضحة. وأوضح أن المبادرة تختلف عن تجارب سابقة (مثل التيار المدني) بأنها لا تقوم على "توافقات الحد الأدنى" بين أيديولوجيات متناقضة، بل على "توافق الحد الأعلى" بين أشخاص يؤمنون بجوهر الليبرالية القائم على الحرية، الاختيار، والمسؤولية.

وأشار حداد إلى وجود أدوات اختبار دقيقة لمن يرغب في الانضمام للمبادرة، لضمان اتساق تفكير الأعضاء مع المبادئ الليبرالية، خاصة في قضايا حقوق المرأة والحريات الشخصية، مؤكداً أن المبادرة نجحت في أسابيعها الأولى في نقل النقاش السياسي من "الشعارات الفضفاضة" إلى "البرامج الأيديولوجية".

وفي قراءة  للمشهد الاجتماعي، لا يتفق حداد مع وصف المجتمع الأردني بـ "المحافظ" بالمعنى القطعي، معتبراً أن الأردنيين باتوا يعيشون "حيوات متوازية" بسبب الانفتاح التكنولوجي، حيث تظهر الشخصية الواحدة بملامح مختلفة حسب المكان. وأرجع حداد ظواهر مثل ارتفاع نسب الطلاق وتراجع عقود الزواج إلى أسباب فكرية واجتماعية وليست اقتصادية فقط، معتبراً أن "الشماعة الاقتصادية" مبرر سهل للهروب من مواجهة الخلل في أنماط الحياة والتوقعات المبالغ فيها.

اقتصادياً، دافع حداد عن نهج "السوق المفتوح"، مؤكداً أن الأردن استمد منعته في مواجهة الأزمات (كورونا، الربيع العربي، والحروب الإقليمية) من كونه اقتصاداً حراً. وشرح فلسفة المبادرة القائمة على تقليل "الحلقات الوسيطة" بين المنتج والمستهلك لتقليل الكلف وتحقيق الرفاه، معتبراً أن دور الدولة يجب أن يكون "منظماً لا متدخلاً".

وحول مستويات الدخل، أشار حداد إلى وجود "اقتصاد ظل" موازٍ يجعل الناتج المحلي الحقيقي أكبر بكثير من الأرقام الرسمية، مستدلاً بمؤشرات الرفاهية مثل حجم الإنفاق على السياحة الخارجية وعدد السيارات والخلويات الذكية، كدليل على وجود دخل غير مفصح عنه لدى شريحة واسعة من الأردنيين.

وانتقد حداد مفهوم "المدارس الأقل حظاً"، معتبراً إياه اعترافاً من الدولة بالفشل في تقديم تعليم ذي جودة متساوية. وطالب بضرورة التزام الدولة بجودة التعليم للجميع كحق دستوري، محذراً من أن سياسة الاستثناءات تنتج "بيروقراطية ضعيفة المهارات" تدير الدولة في المستقبل. وأكد أن الليبرالية تكافئ المجتهد وتوفر الفرص، لكنها لا تضمن التساوي المطلق في النتائج، لأن الاجتهاد الشخصي هو الفارق الأساسي.

وفيما يخص علاقة الدين بالدولة، أوضح حداد أن المادة الثانية من الدستور (دين الدولة الإسلام) لا تتعارض مع مدنية الدولة، معتبراً أن الإسلام لم يضع نظاماً محدداً للحكم بل ترك الأمر لاجتهاد البشر، مستشهداً بـ "وثيقة المدينة" كنموذج مدني. واختتم حديثه بالتأكيد على أن الإصلاح السياسي الحقيقي يتطلب أحزاباً تمتلك "برامج هي أداة تنفيذية للأيديولوجيا"، وليس مجرد تجمعات انتخابية تخلو من المحتوى الفكري.