تعديلات الضمان الاجتماعي في ضوء المراجعة الرابعة لصندوق النقد الدولي

ما الذي ينتظر تعديلات قانون الضمان الاجتماعي بعد توقف مناقشتها في مجلس النواب بانتهاء الدورة البرلمانية؟

تقرير المراجعة الرابعة لصندوق النقد الدولي يجيب على هذا السؤال ويشير بوضوح إلى أن الحكومة الأردنية التزمت ضمن برنامجها للإصلاح الاقتصادي بإعداد ورقة شاملة لإصلاح نظام التقاعد وإجراء مشاورات عامة حولها، ثم إعادة تقديم مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي إلى مجلس الأمة خلال شهر أيلول 2026، ويعتبر التقرير أن ذلك يشكل أحد المعايير الهيكلية التي تخضع للمتابعة في إطار برنامج الأردن مع الصندوق، وهو ما يعني عمليا أن  التأخر في تنفيذها قد يؤثر على تقييم البرنامج واستمرار الدعم المالي المرتبط به.

وهذا يعني أن أبرز القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً عند مناقشة مشروع القانون وفي مقدمتها التقاعد المبكر ورفع سن التقاعد لم تخرج من أجندة الإصلاح فهي ما تزال مدرجة ضمن الالتزامات التي تشير إليها المراجعة الرابعة، كما يشير التقرير إلى أن الحكومة في إطار برنامجها مع الصندوق تعهدت بتنفيذ مجموعة أخرى من الإصلاحات ضمن جدول زمني محدد وأصبحت هذه الالتزامات جزءاً من المعايير الهيكلية التي تراجع عند تقييم مدى التقدم في تنفيذ البرنامج،

ويبين التقرير أن هذه الإصلاحات تبدأ بإصلاح نظام التقاعد، حيث يشير إلى أن ورقة إصلاح التقاعد سوف تشتمل على إصلاح نظام التقاعد المبكر ورفع سن التقاعد ومراجعة طريقة احتساب الراتب التقاعدي بما يحقق التوازن المالي للنظام وكذلك إعادة النظر في بعض المزايا أو الزيادات المرتبطة بالرواتب التقاعدية، إلى جانب إصلاحات أخرى لم يحددها التقرير على سبيل الحصر عندما استخدم عبارة "من بين خيارات أخرى" بما يدل على أن ما أورده يمثل أبرز محاور الإصلاح وليس جميعها.

ويرى الصندوق أن إصلاح التقاعد المبكر يمثل أحد المحاور الرئيسة لتعزيز الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان الاجتماعي في ضوء ما يترتب عليه من التقاعد في سن مبكرة وصرف الرواتب التقاعدية لفترات أطول، كما يدعو إلى دراسة رفع سن التقاعد انسجاما مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع وزيادة سنوات الاستفادة من الراتب التقاعدي.

كما يدعو التقرير إلى مراجعة  طريقة احتساب المنافع التقاعدية نفسها وما يسميه "معدل الاستحقاق الاكتواري العادل"، ورغم أن التقرير لا يوضح المقصود بهذا المصطلح بالتفصيل إلا أن مضمونه يشير إلى إعادة النظر في معادلة احتساب الراتب التقاعدي بما يحقق التوازن بين حقوق المؤمن عليهم والاستدامة المالية للنظام، وقد يشمل ذلك مراجعة معامل المنفعة أو غيره من عناصر معادلة الاحتساب وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على قيمة الرواتب التقاعدية تبعاً للصيغة التي ستختارها الحكومة عند إعداد التعديلات،

ويشير التقرير إلى موضوع ترشيد "المكملات التقاعدية" وهي في العادة تمثل الزيادات أو المنافع الإضافية التي تمنح فوق الراتب التقاعدي الأساسي مثل زيادات غلاء المعيشة أو بعض العلاوات المرتبطة بسنوات الخدمة أو ظروف خاصة دون أن يبين  بشكل محدد أي من هذه العناصر سيكون مستهدفا أو طبيعة التغييرات المقترحة عليه، الأمر الذي يجعل تقييم أثرها مرهوناً بالنصوص التي ستطرح لاحقاً.

ويدعو التقرير أيضا إلى مراجعة تعريف ونطاق تأمين إصابات العمل دون أن يحدد ما إذا كان المقصود توسيع الحماية أو إعادة تنظيمها أو تعديل شروطها، كما يقترح استحداث شريحة اشتراك منخفضة الكلفة تقوم على اشتراكات أقل ومنافع تقاعدية أقل مع التركيز على المنافع قصيرة الأجل بهدف تشجيع الداخلين الجدد إلى سوق العمل على الالتحاق بالضمان الاجتماعي، ويطرح كذلك استبدال نظام تأمين التعطل القائم على الحسابات الفردية بنظام تأمين تضامني يقوم على تجميع المخاطر بين جميع المشتركين بما يعزز الطابع التأميني لهذا الفرع من الضمان الاجتماعي.

بناء على ذلك فإن المعطيات الواردة في المراجعة الرابعة تشير بوضوح إلى أن مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي سيعود إلى مجلس الأمة ضمن إطار إصلاحي أوسع، وأن طبيعة التعديلات المرتقبة لن تقتصر على الجوانب الشكلية أو معالجة الملاحظات السابقة إنما ستتجه نحو مراجعة جوهرية لعدد من الأحكام الأساسية في النظام التأميني، ويرجح أن تبقى القضايا التي أثارت الجدل وفي مقدمتها التقاعد المبكر ورفع سن التقاعد ضمن صلب التعديلات ولكن بصيغ أقل حدة لتسهيل تمريرها.

وعليه، يبدو أن الحكومة تتجه بوضوح نحو الوفاء بالإصلاحات التي التزمت بها والمضي في تنفيذها مدفوعة بالضغوط التي تمارس عليها في هذا الاتجاه، ومن المؤشرات التي قد تعزز هذا الانطباع التغيير في إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي وما يتم تداوله حول إعادة تشكيل لجنة العمل النيابية إلى جانب احتمال إدخال تحسينات على صيغة التعديلات المقترحة بما يجعلها أكثر قبولاً عند إعادة طرحها.