تظاهرات سوريا، عفوية أم منظمة؟
تُثير التظاهرات الواسعة التي شهدتها مدن وبلدات سورية مختلفة، شمالاً وجنوباً وفي العاصمة دمشق، استنكاراً للقانون الإسرائيلي بإعدام الأسرى الفلسطينيين وانتصاراً للمسجد الأقصى المغلق لما يقرب من الأربعين يوماً، نقول، تثير هذه التظاهرات أسئلة وتساؤلات عدة، تلقى في المقابل، إجابات، أو مشاريع إجابات مختلفة.
هل هي تحركات عفوية أم منظمة؟...وإن كانت منظمة وموجهة، فمن نظمها ومن وجهها؟...توقيت هذه التظاهرات يثير بدوره أسئلة عدة، تركيزها على المسرى والأسرى، ورفعها رايات حماس حصراً إلى جانب العلم السوري بالطبع، وتجاهلها في المقابل للحرب الطاحنة الدائرة على أربع جبهات: إيران، لبنان، العراق واليمن، يثير بدوره أسئلة من نوعٍ ما...يبدو أننا بحاجة لمزيد من الوقت والمعلومات، للتعرف على حقيقة ما جرى ويجري، والتأكد مما إذا كان تغييراً قد طرأ على اصطفاف دمشق وأولوياتها، أم أنها حراكاً ضاغطاً على نظام الشرع، هل هي مؤقتة و"سحابة صيف"، أم أنها شرارة لفعل متراكم، يبدأ اليوم، ولا نعرف متى وكيف سيتطور وينتهي؟
أولاً؛ في شمول التظاهرات وتوقيتها المتزامن
يسترعي انتباه المراقب، أن هذه التظاهرات التي انطلقت شراراتها من درعا، امتدت سريعاً لتشمل حلب واللاذقية وإدلب ودمشق، وعدد من مخيمات الفلسطينيين التي غابت عن الصورة والإعلام، الأمر الذي يسقط إلى حد كبير، فرضية "العفوية" التي تسبغ على هذا الحراك الشعبي...إنها حركة احتجاجية منظمة على ما يبدو.
لا نقلل بذلك من أهمية المشاعر القومية والدينية التي طالما اعتملت وتعتمل في صدور السوريين، كل السوريين، وطيلة العقود الفائتة، ولكن التقدير الذي ظل ذائعاً طوال الوقت، ركّز على انغماس السوريين، في تدبير شؤونهم المعيشية والتعافي من تبعات حروب متناسلة وأزمات داخلية، أتت على الأخضر واليابس، وأنهكت الدولة والمجتمع سواء بسواء...لعل مصدر المفاجأة أن الحراك الشعبي في سوريا، فاق ما حصل في معظم الدول العربية والإسلامية، بما فيها "الأكثر ارتياحاً"، الأمر الذي يعزز فرضية "التنظيم" على "العفوية".
ثانياً؛ من هي الجهة المُحركة؟
ثمة روايتان (قراءتان) برزتا في معرض الإجابة على السؤال عن هوية الجهة المنظمة: واحدة، تنسبها إلى معارضين للنظام من بيئته السلفية والإخوانية، ممن لم يحسب حسابهم كفاية عند توزيع "كعكة" السلطة والنفوذ في سوريا ما بعد الأسد...والثانية، تقول أن النظام نفسه، هو من حرك جمهوره وقاعدته، لتكريس صورته كقيادة سنية إقليمية فاعلة، في وقت تنجرف فيه قطاعات واسعة من الرأي العام العربي (في المشرق والعراق بخاصة) لمناصرة إيران وحزب الله وفصائل المقاومة العراقية وأنصار الله اليمنيين، الذي يخوضون مجتمعين، واحدة من أكبر الحروب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
السلطات الرسمية، تنفي أن تكون هي "الفاعل والمحرض"، وتنسب الأمر برمته إلى المشاعر الطبيعية التي تتفاعل في أوساط الشعب السوري الغاضب لما آل إليه حال الأقصى والأسرى الفلسطينيين على يد الاحتلال وبفعل فظاظته وتهديده...في المقابل، تنقل مصادر إعلامية عن مسؤولين إسرائيليين، اتهاماتهم لأنقرة باستغلال "فجوة السلطة" في الجنوب، لتحريك السوريين، جمهرواً وفصائلاً، للتحرش بإسرائيل.
والحقيقة أن ظهور جنود وضباط في فيديوهات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، ينظمون للمتظاهرين، ويلوحون بأسلحتهم، ويتوعدون إسرائيل بالويل والثبور، قد عزز فرضية مسؤولية الدولة عن هذا الحراك، لكن في المقابل، فإن رفع أعلام حماس، والهتاف لقادتها وشهدائها، ومحاولة التعدي على سفارة الإمارات العربية المتحدة التي تحتفظ بعلاقات "طبيعية على أقل تقدير" مع دمشق، قد رجح فرضية انحراط "الإخوان" وحلفائهم، كطرف محرك لهذه التحركات ومحرّض عليها.
مصدر اللبس والالتباس، في تقدير الجهة المحركة للتظاهرات، ينبع من انعدام الفواصل والتخوم بين تيارات الحكم الجديد ومؤيديه، فمختلف تيارات الإسلام السياسي تجد لنفسها حصصاً متفاوتة في هذا النظام، وعلاقاتها به، تقوم على التحالف والاختلاف في الوقت عينه، فثمة مشتركات لا يمكن إنكارها، وثمة نزاعات على السلطة والقرار والأولويات والتحالفات، لا يمكن القفز من فوقها كذلك...والمؤكد أنها جميعاً تشترك في المصلحة بتطوير "موقع سنّي" يزاحم طهران وحلفائها على ساحة الصراع مع العدو الصهيوني.
ثالثا؛ في البعد "المذهبي" للمسألة
بخلاف حروب الاسناد التي رافقت حرب السنتين على غزة، فإن من يرفع راية الحرب على إسرائيل والولايات المتحدة اليوم، هو المحور الممتد من طهران حتى الضاحية، مروراً ببغداد وصنعاء، وهو محور ذو هوية مذهبية واحدة (تقريباً)، قبل ذلك كانت حماس (الإخوانية) هي راية المقاومة والسابع من أكتوبر وعنوان المواجهة الأعنف والأطول في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي.
يبدو أن أمراً كهذا، لم يرق لأطراف عربية "سنيّة"، ولم يرق لها أن "آخرين" اختطفوا الراية والعنوان"، فأرادوا استرجاعها برفع رايات حماس وإشهار شعارات الذود عن المسرى والأسرى....مع أنه مضى أزيد 16 شهراً على سقوط نظام الأسد، ومجيئ نظام من خلفية إسلامية (سلفية – جهادية أساساً)، ولم تنجح حماس حتى يومنا هذا، من ترتيب زيارة رسمية لقيادتها إلى دمشق، ولم تحظ بأي قدر من التسهيلات التي كانت حظيت بها في ظل نظام الأسد، فلماذا هذه الصحوة المفاجئة على المقاومة الإسلامية الفلسطينية، واستحضار رموزها وراياتها، وفي هذا التوقيت بالذات؟
هنا نفتح قوسين لنستذكر ونستحضر، تقارير لطالما حذّرت من سيناريو تدخل سوري في لبنان، في مرحلة لاحقة، تحت شعار "مساعدة الدولة في تنفيذ قرار حصر السلاح بيدها"، وهو الدعم الذي عبّر عنه الرئيس الشرع في اتصال هاتفي مع رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، وكرره في اتصالات غير مسبوقة مع قادة لمكونات لبنانية (جنبلاط، الجميّل)، كما أننا نستذكر هنا، ما سبق للموفد الأمريكي توم باراك، أن تحدث به في لقاء صحفي، عن فكرة "تلزيم" لبنان لدمشق، حال عجزت الدولة اللبنانية عن "استرداد" قرار الحرب والسلم، ونزع سلاح حزب الله...فهل تندرج هذه الحراكات، في سياق محاولة لبناء "زعامة سنية" مؤهلة لدور إقليمي أكبر وأوسع، عابر لحدود الجغرافيا السورية؟
رابعاً؛ تداعيات الحراك إقليمياً
ستسهم التحركات الشعبية، وما رافقها من صور وشعارات ورايات وهتافات، وانخراط عناصر ووحدات من الجيش الجديد، في "تعقيد" جهود النظام للاندماج بالمنظومة الدولية عبر البوابة الأمريكية...واشنطن ليست مرتاحة لما جرى، ولقد عبّر توم باراك عن ذلك فوراً ومن دون تأخير، كما أن محاولاته إبرام اتفاق أمني-سياسي مع إسرائيل، ستواجه عقبات أشد، بعد أن عززت هذه الحراكات ما كانت تقوله تل ابيب، بأن هذا النظام "الإسلامي المتطرف" مصنوع من قماشة حماس والإسلام المسلح المهددان لأمن إسرائيل وبقائها
ومن الواضح من بيان الخارجية الإماراتية، أن العلاقات بين أبو ظبي ودمشق، قد غادرت سريعاً "شهر العسل" الذي ميّز العلاقات الثنائية بينهما، فاستهداف السفارة الإمارتية في دمشق، بعث برسالة محمّلة بالمعاني والدلالات، وأبو ظبي في مطلق الأحوال، لا تخفي عدائها الشديد لجماعات الإسلام السياسي، الإخواني بخاصة، وربما تكون هذه العلاقات، قد دخلت في نفق جديد من التأزم والتوتر.
وإذا كانت الاتهامات الإسرائيلية لأنقرة بأنها من يقف وراء تحركات الاحتجاج، هي حلقة في سلسلة محاولات "الشيطنة" لتركيا ورئيسها وحزبها الحاكم، التي ما انفكت إسرائيل عن القيام بها، إلا أن تركيا بكل تأكيد، ستكون مرتاحة لتحركات من هذا النوع، تعيد الاعتبار لها ولحلفائها في الدفاع عن قضية الأقصى وفلسطين وغزة والأسرى، بعد أن طوت صفحة الحرب الدائرة، هذه الملفات، وغيّبتها وإن مؤقتاً، وفي الحسابات التركية، فإن جزءاً من دور أنقرة الإقليمي، إنما يستمد شرعيته ومشروعيته، من دفاعها عن فلسطين، والمؤكد أنها لا تريد لـ"محور آخر"، أن يستولي على هذا الدور أو ينفرد به.
وعلى مقلب آخر، فقد تصاعدت دعوات وتحذيرات، من مغبة استغلال طهران وحزب الله، و"فلول النظام البائد"، لهذه التحركات، لاستعادة دورها وحضورها، ومحاصرة النظام في دمشق، مثل هذه الدعوات، وإن كانت تنطلق من منطق التحذير ولفت الانتباه، إلا أنها تقر من حيث لا ترغب، بوجود قاسم مشترك أعظم، تخشى العمل على تعظميه، وينحصر أساساً في مقاومة التوحش والعدوانية الإسرائيليين، فتل أبيب من وجهة نظر هذا الفريق، ووجهة نظر المحتجين، هي العدو الأول وهي التهديد الوجودي الوحيد.
وسيكون من الهام جداً، متابعة تطور هذه الاحتجاجات، هل تستمر وتتجدد وتتسع، أم تتوقف عند هذا الحد، سيما مع تزايد التدخلات الإقليمية والدولية، ومن المهم أيضاً التعرف على الوجهة التي ستتطور بها علاقات دمشق بحركة حماس، واستتباعاً بقية حركات الإسلام السياسي السني، فكل ذلك، سيقرر مستوى وحدود الدور الإقليمي لسوريا الجديدة، شرقاً باتجاه العراق، وغرباً باتجاه لبنان، إن كانت سوريا ما زالت مؤهلة وقادرة على القيام بأدوار كهذه.












































