بطاقة وراء بطاقة: كيف تحولت المنصات إلى اقتصاد موازٍ للتعليم؟

شاهدت عبر التواصل الاجتماعي فيديو لرب أسرة يتذمر من دفع مبالغ  كبيرة على بطاقات المنصات التعليمية و الدروس الإلكترونية.

 كان الرجل يتحدث ببساطة، لكنه كان يصف مشكلة أكبر من قيمة البطاقة نفسها، مدرسة حكومية يفترض أن يحصل فيها الطالب على تعليمه الأساسي، ثم يجد ولي الأمر نفسه مضطراً لدفع مبالغ إضافية حتى يضمن أن ابنه فهم المنهاج، أو حتى لا يبقى متأخراً عن زملائه.

المشهد يستحق التوقف عنده، بعد أن أصبحت المنصات التعليمية في الأردن جزءاً شبه أساسي من العملية التعليمية، خصوصاً في مرحلة الثانوية العامة.

هذه المنصات لم تأت من فراغ، جائحة كورونا غيّرت شكل التعليم الأردني بصورة سريعة، خلال الإغلاقات، انتقلت المدارس والطلبة إلى التعليم عن بعد، وظهرت في البداية منصة تابعة وزارة التربية  تقدم دروساً مصورة للطلبة من الصف الأول حتى الصف الثاني الثانوي كما تعاونت الوزارة خلال الجائحة مع جهات وشركات لإنتاج آلاف الحصص المصورة. 

كان ذلك في البداية حلاً استثنائياً لأزمة استثنائية، لكن الأزمة انتهت، بينما بقيت العادة.

الطالب الذي اكتشف أن بإمكانه إعادة مشاهدة الحصة عشر مرات، وإيقاف المعلم، وتقديم الدرس وتأخيره، والعودة إلى الأسئلة والملخصات والامتحانات الإلكترونية، لم يعد ينظر إلى الحصة المدرسية بالطريقة نفسها، والمنصات اكتشفت بدورها أن هناك سوقاً ضخمة يمكن أن تنمو حول هذا الاحتياج.

اليوم تتحدث المنصات نفسها عن ملايين المستخدمين، وعن آلاف المعلمين والدورات والمواد التعليمية، إحدى أبرز المنصات الأردنية تقول إنها خدمت نحو ثلاثة ملايين طالب، وتقدم حصصاً مباشرة ومسجلة وامتحانات محوسبة وبنوك أسئلة ومواد تعليمية متعددة. 

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية أنا لا أرى مشكلة في أن تكون هناك منصات تعليمية خاصة، بالعكس، التعليم الرقمي يمكن أن يكون إضافة مهمة للطالب، ويمكن أن يفتح أبواباً للتعلم لم تكن متاحة من قبل. 

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعليم الرقمي من خيار مساند إلى ضرورة يشعر الطالب والأسرة أنهما لا يستطيعان الاستغناء عنها حتى يتمكنا من مواكبة المنهاج.

والسؤال الأكثر إزعاجاً ليس: لماذا يدفع الطالب مقابل البطاقة؟ السؤال هو: لماذا يشعر الطالب أصلاً أنه يحتاج إلى البطاقة حتى يفهم ما يفترض أن يتعلمه في المدرسة؟

إذا كان المعلم يستطيع أن يقدم شرحاً ممتازاً أمام الكاميرا، فلماذا لا يحصل الطالب على المستوى نفسه من الشرح داخل غرفة الصف؟ وإذا كانت المنصة تستطيع أن توفر للطالب بنك أسئلة، وأوراق عمل، وملخصات، وحصصاً مسجلة، وخطة للدراسة، وتصحيحاً ومتابعة، فلماذا لا تكون المدرسة قادرة على تقديم الحد الأدنى من هذه الأدوات، خصوصاً في المواد التي يعتمد عليها مستقبل الطالب الجامعي؟

قد يكون جزء من الإجابة واضحاً، الحصة على المنصة ليست بالضرورة شبيهة بالحصة داخل المدرسة، هناك وقت مختلف، وعدد طلبة مختلف، وإمكانات تقنية مختلفة، ومحتوى جرى إنتاجه وتحريره وإعادة تسجيله حتى يصل إلى الطالب بصورة مركزة. لكن هذا لا يلغي السؤال الأساسي، بل يجعله أكثر إلحاحاً: ماذا يمكن أن نتعلم من هذه المنصات لتطوير المدرسة نفسها؟

هناك جانب آخر لا يجوز تجاهله، وهو المال، أحد التقارير الصحفية  وكالة الانباء الاردنية حزيران الماضي أشار إلى أن تكلفة الدروس الخصوصية لمادة واحدة مثل اللغة العربية يمكن أن تصل إلى 800 دينار للطالب في السنة الدراسية، وأن الإنفاق على المراكز والدروس والمنصات أصبح عبئاً إضافياً على ميزانيات الأسر. 

ثمانمئة دينار لمادة واحدة رقم ليس بسيطاً بالنسبة إلى أسرة أردنية، وإذا أضفنا الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغة الإنجليزية وغيرها، يصبح التعليم الموازي فاتورة مستقلة قد توازي جزءاً كبيراً من دخل الأسرة السنوي.

هنا لا تعود القضية قضية طالب يريد معلماً أفضل، نحن أمام سوق تعليمية ضخمة تتشكل خارج المدرسة، ويشارك فيها معلمون ومراكز ومنصات ومكتبات ومزودو خدمات دفع واتصالات. والمنصات نفسها تقول إن لديها ملايين المستخدمين، وشبكات من المعلمين، ومراكز ومحتوى متعدد المراحل. 

لا أملك أرقاماً مالية رسمية منشورة تسمح لي بالقول إن هذا القطاع يحقق تحديداً "ملايين الدنانير" سنوياً في الأردن، ولذلك لا ينبغي أن نرمي رقماً بلا سند. 

لكن حجم السوق وعدد المستخدمين وأسعار الاشتراكات وتعدد الخدمات يجعل من المعقول جداً التعامل معه كقطاع اقتصادي وتعليمي يحتاج إلى شفافية ورقابة، وليس كسلسلة مبادرات صغيرة متناثرة.

والرقابة لا تعني قتل السوق أو منع الاستثمار في التعليم الإلكتروني، المطلوب شيء أكثر عقلانية: أن يعرف الطالب وولي الأمر ما الذي يشتريه، وما هي الرسوم الحقيقية، وما الذي يدخل في سعر البطاقة، وما إذا كان المدرس الذي يقدم المادة حاصلًا على الاعتماد المطلوب، وكيف يتم التعامل مع البيانات الشخصية للطلبة، وما المعايير التي تخضع لها المواد والإعلانات والوعود التسويقية.

الأهم من ذلك كله أن تكون هناك رقابة تربوية حقيقية على العلاقة بين المدرسة والمنصة.

كما لا يجوز أن يصبح الطالب في المدرسة الحكومية أمام واقعين متناقضين: معلم يشرح بسرعة أو بوسائل محدودة، ثم منصة مدفوعة تقدم الشرح الذي يحتاجه فعلياً للنجاح. لأن النتيجة في النهاية هي أن الأسرة تدفع مرتين، مرة عبر الضرائب والإنفاق العام على التعليم، ومرة عبر السوق الخاص حتى يحصل أبناؤها على ما لم تحصل عليه داخل المدرسة.

المفارقة أن بعض أصحاب المنصات أنفسهم يقولون إن التعليم الإلكتروني "مساند" وليس بديلاً عن المدرسة، هذا كلام منطقي من الناحية المهنية،  لكن عندما يصبح الطالب معتمداً على البطاقة في دراسة المنهاج والامتحان، فإن الواقع يبدأ بتجاوز التعريف النظري للمنصة بوصفها خدمة إضافية.

ويجب أن تُسأل وزارة التربية سؤالاً صريحاً: هل المنصات تساعد المدرسة، أم أن المدرسة أصبحت تحيل جزءاً من مهمتها إلى المنصات؟هذا فرق كبير.

إذا كان الطالب يشتري البطاقة لأنه يريد مزيداً من التدريب، فلا مشكلة، أما إذا كان يشتريها لأنه لا يستطيع فهم المادة دونها، فالمشكلة داخل النظام المدرسي قبل أن تكون داخل المنصة.

ولا يجوز أيضاً تحميل المعلم وحده المسؤولية، المعلم يعمل داخل منظومة فيها اكتظاظ، ومناهج، وضغط زمني، واختلاف كبير بين مستويات الطلبة، وأحياناً نقص في الأدوات. لذلك لا معنى لمطالبته بأن ينتج داخل كل حصة ما تنتجه شركة لديها فريق تصوير ومونتاج ومطورون وبنك أسئلة ومصممون ومحتوى رقمي متراكم.

لكن الوزارة تستطيع أن تأخذ أفضل ما في تجربة المنصات وتعيده إلى المدرسة.

يمكن تسجيل دروس نموذجية عالية الجودة، وإتاحتها مجاناً للطلبة، يمكن إنشاء بنك أسئلة وطني مفتوح. يمكن أن يحصل الطالب على مواد المراجعة والشرح من مصدر رسمي من دون أن يكون مضطراً إلى شراء بطاقة، ويمكن تقييم أداء المعلمين والطلبة من خلال مؤشرات واضحة، لا من خلال الانطباعات.

وفي الوقت نفسه، يجب إخراج سوق المنصات من المنطقة الرمادية، المنصة التي تحقق إيرادات من آلاف أو ملايين المستخدمين ليست مجرد صفحة تعليمية على الإنترنت، هي مؤسسة تؤثر في سلوك الطلبة وقرارات الأسر، وقد تؤثر في نتيجة طالب وفي مستقبله الأكاديمي. 

لذلك من الطبيعي أن تكون هناك جهة حكومية تراقب الترخيص، والمحتوى، والإعلانات، والأسعار، وشروط الاشتراك، وسياسات الخصوصية، وآليات الشكاوى، والعلاقة مع المعلمين.

والأهم أن تكون هناك شفافية حول الأموال.

من حق المجتمع أن يعرف حجم هذا السوق، وعدد المنصات المرخصة، وعدد الطلبة المشتركين، وطبيعة الرسوم، وحجم الإيرادات الخاضعة للضريبة، وما إذا كان المعلم الحكومي يستطيع العمل في هذه المنصات، وما هي الحدود الفاصلة بين وظيفته العامة وعمله الخاص.

هذه ليست حرباً على المنصات، بالعكس، يمكن للمنصات أن تصبح شريكاً مهماً في تطوير التعليم الأردني، شرط ألا تتحول إلى نظام تعليمي موازٍ يدفع ثمنه الأهل، بينما تتراجع المدرسة إلى الدور الأقل تأثيراً في تعليم الطالب.

القلق الحقيقي ليس أن الطالب اشترى بطاقة بقيمة عشرات الدنانير! القلق أن تصبح البطاقة شيئاً لا يستطيع الطالب الاستغناء عنه،

عندما تصبح المدرسة مكاناً للحضور، والمنصة مكاناً للتعلم، نكون أمام خلل يجب أن نتوقف عنده.

رب الأسرة الذي ظهر في ذلك الفيديو لا يشتكي من بطاقة واحدة، هو في الحقيقة يقول إن تكلفة تعليم ابنه بدأت تتجاوز ما كان يتوقعه عندما أرسله إلى مدرسة حكومية.

وهذه الرسالة يجب أن تصل إلى وزارة التربية والتعليم بوضوح: التعليم الرقمي مرحب به، والاستثمار فيه مرحب به، والمعلم الناجح على المنصة يستحق التقدير، لكن تحويل حاجة الطالب إلى سوق مفتوحة بلا رقابة كافية ليس حلاً لمشكلة التعليم.

المطلوب ليس إغلاق المنصات، المطلوب أن تجعل الدولة المدرسة قادرة على المنافسة معها، وأن تضمن في الوقت نفسه ألا تتحول المنصات التعليمية التي تدور فيها أموال كبيرة إلى فاتورة إجبارية جديدة على الأسرة الأردنية.