باعة الجمعة يحرقون أسعارهم نصرة للفقراء

يحاول صلاح جاهدا أن يرفع سعر بضاعته في سوق العبدلي من دينار إلى دينارين؛ فالدينار "لا تسمن,ولا تغني من جوع" لكنه سرعان ما عدل عنها في ذات اليوم.بكم البنطلون..بدينارين يا أخي ..الله معك..هذا حال صلاح منذ الصباح، "بعد ذلك حّولت السعر إلى دينار رغم أني خسران ومش موفيه معي".

البنطال: بدينار واحد، التيشيرت: من نصف دينار إلى دينار، حسب نظافتها، وكذلك الأحذية من دينارين إلى خمسة دنانير في حدها الأقصى..ببساطة لا يزاحم جيرانه من الباعة لكنه يتبارز معهم في الصراخ "أي بنطلون بليرة..أي تيشيرت بليرة يلا يلا يا شباب"..
 
وحجم الناس الذين يأتون للشراء قلوا، فالجمعة الأخيرة حصل على مبلغ 60 دينارا وهذه كارثة اعتبرها لأنه في جمعة سابقة وتحديدا في فصل الشتاء وقبل رفع المحروقات وصل حجم بيعه إلى 300 دينار.
 
الآن يقف على تلة ملابسه ولا ينتظر سوى رحمة الرحمن والصراخ عاليا على أمل أن يأتيه الزبون الباحث عن القطعة النظيفة والسعر النظيف كذلك، فهو يحاجج الزبون جاهدا لأجل شراء القطعة عبر التمني والكلام المعسول "والله جايبك البنطلون..جديد لنغ موديل بياخوذ العقل..نوعية عالمية تباع في محلات الماركات مش أقل من 100 دينار عندي بدينار يا بلاش اكسبها"..
 
من هم الزبائن؟
وأكثر زبائن صلاح يأتون للنظر والبحث المستمر بين ما يعلقه على الأعمدة الحديدية بالنصف ساعة وأكثر، وبالأخير إما يقرروا الشراء أو العدول والانسحاب، هو قد اعتاد على هذه النوعية من الزبائن.."الله بعينهم والله في منهم ما معه ليرة" صلاح يقول إن نسبة كبيرة من زبائنه من الجنسيات العراقية والمصرية والسيرلانكية والفلبينية "وهذه الجنسيات لا تفاصلني على السعر تدفع لي السعر مباشرة".
 
هناك زبائن من وزراء سابقين ونواب يتجولون بين البسطات وبعضهم يشتري بدلات وأحذية - كما يرى صلاح - ويقفون بين الباعة وبعضهم يتكرم ويعطي بخشيش وإكرامية لأجل استحصال بذلة نظيفة في الأسبوع المقبل "أحد جيراني يبحث جاهدا عن ملابس فاخرة وأوروبية لأحد مسؤولي الدولة ولا يفصح عن هذه الشخصية كي لا ينقطع نصيبه ويؤمنها له من فترة إلى أخرى". 
 
يعمل صلاح "مكوجي" وهذه المهنة لا تدر له المال ليعيش مثل كل الناس لذلك يأمل في بسطته في سوق الجمعة في العبدلي أن يؤمن قوت شهر ينقذه من ديون ومصاريف لأولاده الثلاثة الصغار..  
 
يتجول صلاح في ساعات ما بعد الظهر بين البسطات المجاورة له لأجل التحقق من حركة البيع "أنظر لجيراني هل يبيعون أم لا..وأرى أن كثير منهم مثل حالي يصرخون ويصرخون لأجل البيع..أحدهم أصيبت حباله الصوتية بالالتهاب وطلب منه الطبيب أن لا يصرخ لكنه لا يأبه وقلنا له سجل بصوت أحدنا كلمات البيع لكنه يرفض..يا أخي الصراخ يأتي بنتيجة".
 
الشاطر يكسب!
ومحمود صاحب بسطة حقائب سفر وأجهزة حاسوب "لاب توب" والحقيبة الواحدة لديه خمسة دنانير "أنظر حال كل حقيبة وكأنها حديثة أنظر كان البيع من خمسة إلى عشرة دنانير والآن إذا أصر زبون على شراء بأقل من خمسة نبيعه..ماذا نفعل أكثرهم يقولون غالية وأنا أقول لهم مش موفيه معي والحقيبة تكون لدي أصلية وجديدة وتستاهل عشرين دينارا لا خمسة.. أكسبوها واشتروا".
 
البيع لدى محمود هذا الأسبوع ليس جيدا والحركة ليست على ما يرام "لا استطيع من أخذ موقف محدد من السعر ولكن ما أعزم عليه هو أن لا أنزل من السعر الأسبوع المقبل لأني خسران كثيرا ولا أريد أن أبيع بخسارة".
 
يقف محمود مستظلا تحت القماش البرتقالي المعلق فوق بسطته منتظرا الزبائن ولون القماش البرتقالي وبفعل الشمس انعكس على لونه ليصبح برتقالي اللون يجلس على حافة الرصيف لا يخفف من وطأة قلة زبائنه سوى مداعبات جيرانه من الشباب الذين يشبهونه في الأحوال ولأن الموت مع الجماعة رحمه كما يقول فهم يداعبون بعضهم البعض بالصراخ "يلا يا زلمة يلا يا مرة يا شب يا بنت تعالوا وشوفوا السعر المحروق..حرقنا الأسعار عشانكم".
 
قليلة هي الأيدي التي تحمل الأكياس السوداء خارج حدود السوق، فهم وقبل شهور خلت كانوا يخرجون من سوق العبدلي محملين بعشرات الأكياس السوداء التي تحتوي على الملابس والمعدات وكل ما يباع في هذا السوق الشعبي القديم لكن الآن وبقراءة الباعة "أزعمهم يخرج محملا بكيسين وثلاثة فقط" والبقية تخرج متحسرة على أسعار بضاعة ارتفعت كما كل البضائع في الأسواق؛ لكن الباعة من عامة الشعب والارتفاع طال بيوتهم وبضاعتهم كما كل الناس "من حقنا ان نرفع سعر بضاعتنا بالشيء المعقول" لكنهم لا يصرون على موقفهم فسرعان ما يعدلون عن الارتفاع حال رؤيتهم لأناس يهربون من نار الأسواق بذلك يعلنون حرقهم للأسعار نصرة للشعب الجائع كما يقولون..