العلاقات الأردنية السورية تدخل مرحلة الشراكة الاستراتيجية بعد سنوات من التوتر
بعد الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، في كانون الأول 2024، دخلت العلاقات السورية الأردنية مرحلة جديدة تختلف كليا عن أزيد من خمسة عقود مضت، إذ تحولت من إدارة الأزمات والتوتر الحدودي إلى مرحلة إعادة التشبيك الإقليمي والتعاون المؤسسي بما يخدم مصالح البلدين على أسس وطنية، على اعتبار أن ذلك ضرورة قصوى، وقد جاء نتيجة عامل الثقة بعد التغيير الجذري في سوريا ونشوء مفهوم جديد لبناء الدولة يختلف عن النظام المخلوع.
وتطورت العلاقات بين دمشق وعمان لتتجاوز مرحلة الحذر وتدخل في الشراكة الاستراتيجية العميقة، في ظل وجود قواسم مشتركة، بما ينسجم مع تطلعات البلدين الجارين ويخدم مصالح الشعبين، بعد 14 عاما من الحرب في سوريا التي انعكست سلبا على الأردن، خاصة على الصعيد الاقتصادي بسبب توقف الحركة التجارية والعبور، وعلى الصعيد الأمني نتيجة تحويل النظام المخلوع البلاد إلى منطلق لتهريب المخدرات، ناهيك عن انتشار الميليشيات الإيرانية التي كانت تهدد أمن الإقليم.
ومع دخول سوريا في مرحلة الاستقرار، شهدت العلاقات السورية الأردنية تطورا ملحوظا بدأ بالتعاون في المجال الأمني والتنسيق المشترك، ووصل إلى مرحلة متقدمة من الشراكة التنموية، حيث جرى تشكيل وتفعيل مجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني في 17 نيسان 2025، بينما عقدت دورته الأولى في أيار الماضي.
الأهمية الاستراتيجية
أمس الأحد، عقدت في العاصمة الأردنية عمان أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى بين الجمهورية العربية السورية والمملكة الأردنية الهاشمية، على المستوى الوزاري، برئاسة وزير الخارجية وشؤون المغتربين أسعد الشيباني، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي.
وقال الشيباني إن دمشق ترى في الأردن “شريكا استراتيجيا لسوريا”، معتبرا أن “استقرار سوريا مناعة للأردن وازدهار الأردن سند لسوريا”. وأضاف، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره أيمن الصفدي، عقد على هامش أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى الأردني – السوري، أن ما يربط البلدين أكثر من المنطقة الجغرافية، مشيرا إلى أن الأمر يعتمد على التنسيق بين البلدين وعودة العلاقات إلى مسارها الصحيح، لافتا إلى أن الأردن “أول من شرع أبوابه لسوريا الجديدة”.
وأكد الشيباني أن طموح سوريا “يتجاوز ملفات محددة”، وأنها تسعى إلى “تحويل العلاقة الأردنية السورية إلى نموذج يحتذى به”، مضيفا أن التقارب الأردني السوري امتداد للعلاقة التاريخية بين البلدين والشعبين الشقيقين. وهذا ما أشار إليه الوزير الأردني أيمن الصفدي، بقوله إن اجتماعات أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى عكست الإرادة السياسية للعاهل الأردني عبد الله الثاني والرئيس أحمد الشرع، في “البناء على ما يجمع بلدينا من علاقات متجذرة، للمضي نحو بناء علاقات استراتيجية متكاملة”.
وفي هذا الصدد، اعتبر وزير الإعلام الأردني الأسبق، سميح المعايطة، أن المجلس الأعلى التنسيقي هو “واحد من الأطر التي تعبر عن توافق أردني سوري على رفع مستوى العلاقات ورفع مستوى التنسيق ومناقشة كل القضايا التي تشكل مصلحة مباشرة للبلدين. فهذا الإطار الحكومي الرفيع هو تعبير عن النوايا الحسنة، وعن الجهد المنظم، وتنظيم القضايا المشتركة بحيث يتم بحثها من قبل الخبراء المعنيين في الحكومتين، ومن خلال هذا المجلس”.
وأضاف المعايطة، في حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن “الرسالة السياسية تكمن في أن هذه العلاقة ليست حالة من العواطف بين البلدين، إنما أيضا حالة منظمة، وهناك جهد منسق وترتيب”، بينما يجري البحث أيضا عن توثيق العلاقة ورفع مستويات التنسيق والفائدة بين البلدين. ويرى أن “هذا المجلس هو تعبير سياسي من البلدين عن هذه العلاقات ضمن مسار منتظم”.
واعتبر جلالة الملك عبد الله الثاني، خلال استقباله الوفد الوزاري السوري أمس الأحد، أن انعقاد الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى المشترك خطوة مهمة لدفع العلاقات إلى الأمام، مؤكدا ضرورة استمرار العمل على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيز التعاون الأمني بين البلدين بما يحقق المصالح المشتركة.
اتفاقيات ومذكرات تفاهم
يمثل المجلس أكثر من 20 قطاعا حيويا، ويهدف إلى النهوض بالعلاقات الأردنية السورية نحو الشراكة الاستراتيجية الشاملة في مختلف المجالات، حيث تم توقيع أكثر من 10 اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وبحث التعاون في أكثر من 21 قطاعا حيويا في اجتماع أمس الأحد، الذي يعد الأكبر أردنيا سوريا عبر التاريخ، إذ ضم أكثر من 30 وزيرا، ويمثل خطوة عملية لترجمة العلاقات السياسية بشكل ممنهج، بحسب ما ذكر الوزير الأردني أيمن الصفدي.
بينما أشار الوزير أسعد الشيباني إلى وجود مشاورات للاستفادة من الموقع الاستراتيجي للأردن وسوريا، باعتبار أن سوريا والأردن بوابتان مهمتان ويقعان في موقع استراتيجي، لافتا إلى أن عودة سوريا فتحت أبوابا مغلقة منذ عقود. وشدد على أن سوريا بحاجة إلى الأردن ودول الإقليم في ملف إعادة الإعمار، مؤكدا في الوقت ذاته أن إعادة الإعمار تساعد في انتقال سوريا إلى التعافي، إذ يحتاج ملف إعادة الإعمار إلى ما بين 250 و400 مليار دولار.
وشملت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها في العاصمة الأردنية عمان، أمس الأحد، قطاعات الصناعة والتجارة، والصحة، والشؤون الاجتماعية، والأوقاف، والتعليم العالي، والعدل والقضاء، والإعلام، والسياحة، والبريد، والدفع الإلكتروني.
وهذه المذكرات والاتفاقيات تدل على أن “البلدين انتقلا من مرحلة التواصل السياسي العام إلى مرحلة تنسيق المصالح الاقتصادية القطاعية، بينما يحمل انعقاد المجلس في عمان دلالات تتجاوز البعد السياسي والدبلوماسي، ليؤكد أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة أكثر تنظيما ووضوحا على المستوى الاقتصادي، ما يعني تحويل التفاهمات بين الجانبين إلى برامج تعاون قابلة للتنفيذ، وهو ما يمنحه أهمية خاصة في هذه المرحلة التي تشهد فيها المنطقة إعادة ترتيب للمصالح الاقتصادية وشبكات النقل والتبادل”، وفق حديث خاص لوزير المالية الأردني الأسبق، محمد أبو حمور، لصحيفة “الثورة السورية”.
وبحسب ما اطلعت عليه صحيفة “الثورة السورية”، فإن مذكرة التفاهم الخاصة بوزارة الإعلام تتضمن 11 بندا، بينها التعاون في مجال التربية الإعلامية والمعلوماتية، والتعاون الإخباري والبرامجي للمواد الإذاعية والتلفزيونية، إلى جانب التعاون في مجال التراخيص والاعتماد الصحفي وتبادل قوائم الإعلاميين المعتمدين، ومجال التشريعات الإعلامية والإعلام الرقمي.
وتتضمن أبرز مخرجات أعمال الدورة الثانية خطوات عملية لتعزيز التعاون الثنائي، بينها آلية استيراد جديدة قائمة على مبدأ المعاملة بالمثل، بدأ تطبيقها اعتبارا من العاشر من نيسان الجاري، وتشكيل لجنة استثمار مشتركة، وتطوير معبر نصيب/جابر بنظام عمل على مدار الساعة ومسارات منفصلة.
وتشمل المخرجات أيضا مشروعات في قطاعات الطاقة والنقل والمياه، بما في ذلك الربط الكهربائي واتفاقيات الغاز، وإعادة تفعيل الخط الحديدي بمذكرة ثلاثية مع تركيا، إضافة إلى التعاون في قطاع المياه عبر تطوير حوض اليرموك، فضلا عن تعاون شامل في مجال الصحة وتحويل 40 مريض سرطان سنويا للعلاج، إلى جانب اتفاقيات في مجال التعليم العالي وبرنامج منح دراسية وتبادل قواعد بيانات الطلبة وتصديق الشهادات، فيما يخص اللاجئين السوريين.
أين تكمن الأهمية الاقتصادية؟
يمثل مجلس التنسيق الأردني – السوري خطوة اقتصادية مهمة في توقيت حساس، كونه يعكس إدراكا متبادلا بأن مصلحة البلدين تكمن في توسيع التعاون واستثمار الجوار الجغرافي في خدمة النمو والاستقرار. وإذا ما نجح الطرفان في ترجمة مخرجات هذا المجلس إلى إجراءات عملية ومشاريع ملموسة، فإن ذلك سيشكل مكسبا اقتصاديا حقيقيا للأردن وسوريا معا، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة، وفق أبو حمور.
إذ تكمن الأهمية الاقتصادية لهذا المجلس في أنه يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون المؤسسي بين الأردن وسوريا، بعيدا عن الطابع الشخصي أو المحدود للعلاقات الثنائية. واعتبر أبو حمور أن “وجود مجلس أعلى للتنسيق يعني اجتماعات منتظمة، وأجندة واضحة، ومتابعة مباشرة للملفات ذات الأولوية، ما يعزز فرص الانتقال من مجرد الرغبة في التعاون إلى تنفيذ مشاريع وخطوات عملية على الأرض، وهذا مهم للأردن كما هو مهم لسوريا، لأن البلدين يرتبطان بجوار جغرافي ومصالح متداخلة تجعل أي تقدم في التعاون الثنائي ذا أثر مباشر على الاقتصادين معا”.
وبالنسبة إلى الأردن، يمثل المجلس فرصة لتعزيز الصادرات الوطنية إلى السوق السورية، وتوسيع حضور المنتجات الأردنية في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى السلع والخدمات المرتبطة بإعادة تنشيط الاقتصاد السوري، كما يعزز المجلس من فرص استعادة الأردن لدوره بوصفه مركزا لوجستيا وتجاريا مهما في حركة العبور والنقل البري نحو سوريا، ومنها إلى أسواق أخرى في الإقليم، وهذا يعني تنشيط قطاعات النقل والشحن والتخليص والخدمات المساندة، وهي قطاعات قادرة على توليد قيمة مضافة وفرص عمل وإيرادات إضافية للاقتصاد الأردني، بحسب وزير المالية الأسبق.
أما بالنسبة إلى سوريا، فأوضح أن تطوير التعاون مع الأردن يوفر لها منفذا اقتصاديا وتجاريا مهما، سواء من خلال تسهيل حركة البضائع أو الاستفادة من موقع الأردن بوصفه بوابة نحو الخليج وميناء العقبة وشبكات النقل الإقليمية، إضافة إلى أن التعاون في ملفات الطاقة والمياه والنقل يحمل أهمية خاصة للاقتصاد السوري، لأنه يفتح المجال أمام تخفيف بعض الاختناقات الخدمية واللوجستية، ويدعم جهود إعادة البناء والتعافي التدريجي في عدد من القطاعات الحيوية.
ويرى أبو حمور أن “الانعكاسات المتوقعة لهذا المسار لا تقتصر على زيادة التبادل التجاري فقط، بل تمتد إلى خفض كلف النقل وتحسين انسياب السلع ورفع كفاءة سلاسل التوريد بين البلدين، كما أن توسيع التنسيق في مجالات الطاقة، والربط الكهربائي، والمياه، والموانئ، والربط السككي، يمكن أن يمنح العلاقة الاقتصادية بعدا استراتيجيا أعمق، بحيث لا تبقى محصورة في التجارة التقليدية، بل تتحول إلى شراكة تنموية أوسع تخدم المصالح بعيدة المدى للبلدين”.
وتحمل العلاقات الاقتصادية بين سوريا والأردن مؤشرات واضحة على التعافي التدريجي، سواء من خلال نمو التبادل التجاري، أو عودة الزخم إلى ملفات النقل والطاقة، أو الاهتمام المشترك بإعادة تفعيل قنوات التعاون الرسمية، ويأتي مجلس التنسيق الأعلى اليوم ليمنح هذا المسار إطارا أكثر رسوخا، بما يسمح بالبناء على ما تحقق وتوسيعه في اتجاهات أكثر شمولا، بحسب حديث الوزير الأسبق محمد أبو حمور لصحيفة “الثورة السورية”.
فهم استراتيجي وعوامل ثقة
بعد الإطاحة بنظام الأسد، تطورت العلاقة بين دمشق وعمان على جميع الأصعدة بشكل لافت وكبير جدا، ويعود ذلك، بحسب أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور بدر ماضي، إلى “أن هناك كثيراً من عوامل الثقة بدأت تبني عليها كلتا الدولتين، الأردنية والسورية، إلى جانب مفهوم جديد لبناء الشراكة الاستراتيجية بسبب وجود فهم استراتيجي لإمكانية أن تصب هذه العلاقات في مصلحة الطرفين”.
وأضاف ماضي لصحيفة “الثورة السورية”: “نحن لا نتحدث فقط عن علاقة أخوية بين الشعبين وبين البلدين، ولا نتحدث فقط عن الجوار الجغرافي الذي يربط الأردن وسوريا، ولكن نتحدث عن تحول جديد في الدولة السورية، ونشوء مفهوم جديد لبناء الدولة السورية الحالية مختلف تماما عما كان في عهد النظام السابق، الذي كان يعتمد على أيديولوجية صلبة تخدم مصلحة النظام فقط، ولا تخدم مصلحة الدولة السورية”.
واعتبر أن “التغير الكبير جدا الذي حصل من الجانب السوري هو أن من هو موجود في الحكم الآن، والحكومة الحالية، الهدف الأول والأساس له هو كيفية خدمة مصالح الدولة السورية، وليس مصالح النظام بشكل أو بآخر”.
ومن هذا المنطلق، تلتقي رؤية الدولتين الأردنية والسورية في أن كلتا الدولتين تحافظان على ضرورة بناء مفهوم الدولة، ما يعني أن “تكون العلاقات على مستوى البناء، حتى وإن كان هناك اختلاف هنا أو هناك، لكن المفهوم العام والأشمل هو كيفية بناء مؤسسات الدولة، بما ينعكس إيجابيا على المصلحة الوطنية العليا لكلتا الدولتين”، وفق ماضي.
إذ تمت ترجمة النوايا الحسنة بين البلدين إلى سياسات حقيقية على أرض الواقع، وتجلى ذلك في بناء مؤسسي في مجالات متعددة وقطاعات مثل الطاقة والغاز، والنقل، والتعليم، والقضاء، والأمن والجيش، من خلال اللقاءات والتنسيق على المستوى السياسي.
“هذا سينعكس على بناء صلب في بناء الدولة السورية، والاستفادة أيضا من الخبرات الأردنية المتراكمة في البناء المؤسسي. ويضاف إلى ذلك أيضا أن سوريا تحترم دور الأردن الدولي والإقليمي، والاستقرار الذي حدث في الأردن لسنوات طويلة منذ التأسيس، وهذا أيضا يمكن أن يصب في صالح الدولة السورية، وهذه أيضا نقطة تلاقي مصالح كبرى، ونقطة ذكية من الحكومة السورية في محاولة الاستثمار في العلاقات الأردنية الإقليمية والدولية”، بحسب الدكتور بدر ماضي.
وأشار إلى أن “الموقف الأردني من أزمة اللجوء السوري كان مميزا بكل ما تعني الكلمة، وهذا انعكس على بيئة حاضنة لتطوير العلاقات الأردنية السورية، بحيث إن المواطنين السوريين ما زالوا وسيبقون يتذكرون الدور الأردني في محاولة التخفيف من الأعباء التي تعرضوا لها خلال فترة الثورة السورية”.
أخيرا، فإن مجلس التنسيق الأعلى الأردني السوري يعد إطارا مؤسسيا لتنظيم العلاقات الثنائية بين البلدين، وصولا إلى بناء شراكة استراتيجية متكاملة تحقق المصالح للجانبين وتنعكس إيجابا على الأوضاع الاقتصادية من خلال مد جسور التنمية، بعد أكثر من عقد من التوتر وابتزاز النظام المخلوع لدول الإقليم أمنيا وإغراقها بالمواد المخدرة، حيث تعمل الدولتان على شراكات استراتيجية طويلة الأمد بعيدا عن التقلبات السياسية، ويمكن البناء عليها لتضم دولا إقليمية أخرى.












































