العدالة الثقافية ..لماذا يجب أن تصل الفنون إلى الأطراف؟

لم تكن خشبة مسرح المركز الوطني للثقافة والفنون في مؤسسة الملك الحسين، مطلع هذا الأسبوع، مجرد فضاء لاستضافة عرض الباليه العالمي "كوبيليا"، بل كانت أشبه بمرآة تعكس ما يمكن أن ينجزه الاستثمار في "الإنسان" حين تلتقي الموهبة بالمنهجية الأكاديمية.

 إن مشاهدة أطفال وشباب من أعمار مختلفة وهم يطوعون أجسادهم في حركات انسيابية معقدة، ليست مجرد مشهد جمالي عابر، بل هي رسالة سياسية واجتماعية بامتياز: الفن هو القوة الناعمة التي تصقل وعي الأجيال وتقيس رقي المجتمعات.

مواكبة كواليس هذا العرض وتمارين الفرقة تكشف عن حقيقة يغفل عنها الكثيرون؛ الفن ليس ترفاً أو "إكسسواراً" اجتماعياً، بل هو انضباط صارم. 

الطفل الذي يلتزم بساعات تدريب طويلة ليتقن خطوة "باليه"، يتعلم في الحقيقة قيم الالتزام، والصبر، والعمل الجماعي. هذه المراكز، وفي مقدمتها المركز الوطني للثقافة والفنون، لا تخرّج راقصين أو عازفين فحسب، بل تخرّج مواطنين يمتلكون أدوات التعبير السلمي، ويؤمنون بلغة الحوار بدلاً من الصدام.

في عالم يضج بخطاب الكراهية والانغلاق، يبرز الفن كاللغة العالمية الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة. إنه الجدار المنيع الذي يحمي المراهقين من التطرف الفكري، حيث يتم استبدال الطاقة السلبية بطاقة إبداعية خلاقة.

رغم القيمة الاستثنائية التي يقدمها المركز الوطني، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في "الجغرافيا". لا يجوز أن تظل هذه التجارب الفنية النوعية حكراً على سكان العاصمة أو النخب القادرة على الوصول إليها. إن "العدالة الثقافية" تقتضي أن تصل هذه الدورات والمراكز إلى المحافظات والأطراف، من معان إلى إربد ومن الرويشد إلى الأغوار.

لماذا نحرم طفلاً في قرية نائية من اكتشاف موهبته في الرسم أو العزف أو التمثيل؟ إن تعميم تجربة المركز الوطني على المحافظات ليس مجرد مطلب خدمي، بل هو استحقاق وطني لنبذ التهميش الثقافي. 


فدعم هذه المراكز يجب أن يتحول إلى أولوية في الموازنات العامة والشراكات مع القطاع الخاص، لأن تكلفة بناء مركز ثقافي في محافظة هي أقل بكثير من تكلفة معالجة الظواهر الاجتماعية السلبية الناتجة عن الفراغ الثقافي.

تاريخياً، لم تُخلد الحضارات بجيوشها فقط، بل بما تركته من فن وفكر. واليوم، تقاس نهضة الدول بمدى احترامها للمبدعين وقدرتها على دمج الفنون في نظامها التربوي. إن المطلوب اليوم هو حراك وطني لدعم المؤسسات التي تُعنى بتنمية مواهب الأطفال، ليس فقط كنشاط لا منهجي، بل كركيزة أساسية في بناء الشخصية الوطنية.

هذا بالضبط ما يفعله الفنّ: يبني جسوراً فوق الهوّات التي يعجز الكلام عن ردمها. في زمنٍ تتصاعد فيه خطابات الكراهية والانقسام، الفنّ ليس ردَّ فعلٍ عليها، بل هو الوقاية منها. الطفل الذي يتعلّم أن يُعبِّر عن مشاعره بالموسيقى أو الرسم أو الحركة، يُدرّب نفسَه على الحوار قبل أن يُدرَّب على الصراع.

فحين تشاهد طفلةً في التاسعة من عمرها تُعيد تنفيذ حركةٍ بالغةِ الدقة للمرة العشرين بلا ضجرٍ ولا تذمّر، تدرك أن الفنّ يُعلِّم ما لا يستطيع المنهج المدرسي التقليدي تعليمه وحده.

وحين تُدرك أن آلاف الأطفال في هذا البلد لن يصلوا إلى هذه التجربة لأنهم يعيشون خارج دائرة الضوء الثقافي في العاصمة، تُدرك أن ما شهدناه في مسرح المركز الوطني لم يكن احتفالاً فقط بل كان دعوةً للمسؤولية.

عرض "كوبيليا" كان تذكيراً بما نمتلكه من طاقات مخبوءة في أطفالنا. لكن الاستمرار في تخريج أجيال تحترم الجمال وتقدر الثقافة يتطلب نفساً طويلاً ودعماً مادياً ومعنوياً لا ينقطع. 

الفن هو الحوار الأرقى بين الشعوب، وحين ندعم طفلاً ليمسك بريشة أو يرتدي حذاء باليه، فنحن في الواقع نغرس بذرة لمجتمع أكثر تسامحاً، ورقياً، وانفتاحاً على العالم.