التعليقات على المواقع الالكترونية: الحبل على الغارب!

التعليقات على المواقع الالكترونية: الحبل على الغارب!

شهد الأردن خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة نموا ملحوظا في عدد المواقع الإعلامية على شبكة الانترنت...

وإذا ما استثنينا مواقع الصحف اليومية الرئيسية الخمس، وبعض مواقع الصحف الأسبوعية، فقد وصل عدد المواقع الإعلامية الالكترونية المستقلة إلى تسع مواقع إضافة إلى موقع وكالة الأنباء "بترا".
اذا كانت هذه المواقع تواجه تحديات كبيرة، نظرا لانها في بداية الطريق، ولا تزال بعيدة عن خصائص "الصحافة الالكترونية". فان اخطر هذه التحديات جميعا كيفية التعامل مع تعليقات القراء.


هذه التعليقات، الى جانب مفهوم "المواطن الصحفي"، يشكلان معا واحده من اهم خصائص هذا النمط الجديد من الصحافة.
قد يفهم من موضوعة التعامل مع تعليقات القراء الجانب المتعلق بحرية الرأي فقط. الا ان الجانب الاهم فيه والاخطر ليس كذلك، وانما التحدي يكمن في الكيفية التي سوف تتعامل بها هذه المواقع مع التعليقات من باب المهنية والحفاظ على اخلاق المهنة.
وعدم اتاحة الفرصة للقراء للتلاعب بمحرري هذه المواقع او في التعبير عن افكار واراء متطرفة تعمل على نشر العنف والكراهية او الفساد في الارض.


ان السؤال الاهم في موضوع التعامل مع تعليقات القراء، او التغذية الراجعة، هو كيف يمكن ان يوفق محرري هذه المواقع بين حرية التعبير عن الرأي، وحرية تدفق المعلومات، والمسؤولية الاجتماعية للصحافة؟
وخلال السنوات الاخيرة اتاحت كافة المواقع الالكترونية، باستثناء موقع صحيفة "الرأي" وموقع وكالة الانباء "بترا"، للقراء التعليق على المواد المنشورة.


واسهمت تعليقات القراء على المواقع، وخاصة موقع عمون نيوز، الذي استقطب ولا يزال العدد الاكبر من تعليقات القراء، في زيادة شعبية المواقع ولفت النظر لها.


ودفعت زيادة عدد الردود على المواقع ببعض محرري الصحف اليومية الى تطوير مواقعها الالكترونية، وخاصة صحيفة الدستور، التي فتحت الباب مؤخرا لردود القراء، وخصصت زاوية اسبوعية تحت مسمى "قضية للناقش"، اتاحت فيه للقراء التعبير عن ارائهم في قضية ما.


وقد عمدت الصحيفة التي بدات باستقطاب اعداد لافتة من الردود الى تخصيص صفحات من نسختها الورقية لاعادة نشر تعليقات او ردود القراء على القضية المطروحه للنقاش، كما حصل في قضية رفع سعر اسطوانة الغاز في كانون الاول الماضي، حيث خصصت الصحيفة صفحتين كاملتين لنشر تعقيبات القراء.


وقد بات تصفح المواقع لدى البعض لقراءة التعليقات، اهم من قراءة المادة الاعلامية نفسها، بالنظر الى عدة اسباب منها:
طريقة اختيار المحررين للتعليقات الاكثر اثارة. او التعليقات التي تحمل معلومات اضافية على المادة الاعلامية، وان كانت هذه المعلومات غير موثقة.


الجدل، وفي احيان كثيرة لغة الشتائم والتحريض بين المعلقين انفسهم او على المادة المنشورة او على كاتبها.
ولفتت شعبية موقع عمون، بسبب كم التعليقات، نظر محرري مواقع اخرى، فراجت في الاردن عملية قيام بعض المحررين بكتابة تعليقات على موادهم او مواقعهم بانفسهم وباسماء مستعارة، لاعطاء انطباع لدى القاريء بان الموقع او المادة المنشورة مرغوب بها.


يعتقد الصحفي شاكر الجوهري:"ان بعض المواقع، وفي سبيل المنافسة، فتحت الباب على مصراعيه للتعليقات بدون حسيب ورقيب، ما ادى الى الاسهام في نشر ثقافة الاقليمية والاضرار بالوحده الوطنية ومحاولات اثارة الفتن".


الملاحظة التي يمكن ان يسجلها المتابع لتعليقات القراء، ان المواقع الالكترونية بدات تشكل "جمهورها الخاص المخلص لها"، الذي يواظب على كتابة التعليقات باستمرار فتكرر الاسماء. هذا من جانب.


اما من الجانب الاخر، فان العديد من المعلقين، او اغلبهم، استفادوا من الميزة التي توفرها الانترنت وتسامح او تسابق المحررين على زيادة عدد التعليقات فانتشرت عادة كتابة التعليقات باسماء مستعارة.


ويندر وجود قارئ يكتب باسمه الصريح. لذلك ليس من السهل مطلقا، بل يكاد يكون من المستحيل معرفة عدد المعلقين الحقيقيين، او ما اذا كان هؤلاء هم اشخاص موجودين حقيقية ام انهم محرري المواقع واصدقائهم، يتم تحفيزهم لكتابة الردود للاسهام في شعبية المواقع.


ومن الملاحظ ايضا ان الكثير من كتّاب التعليقات المثابرين، لا يتحلون بمستوى تعليمي جيد او انهم يتعمدون الاثارة والتفريغ على الشبكة طالما لا يكتبون باسماء حقيقية، وتغلب على تعليقاتهم لغة التحريض والشتائم.


وقد بدا لافتا انتشار القاب مثل: اردني اصيل، اردني تقليدي، اردني قح، اردني من اصل فلسطيني، مخيمجي، شمالي ، جنوبي، او قنوة ، بقعاوي، وحداتي فيصلاوي، ابو غضب، النشمي، النشمية...الخ


الى ذلك، وبحسب خبرتنا العملية مع الصحافة الالكترونية، فقد بات امرا معروفا، ومقر به في الوسط الاعلامي، ان الكثير من محرري المواقع الالكترونية يقومون بكتابة تعليقات على بعض المواد، خاصة المواد المراد لفت النظر لها من اجل جلب المزيد من الردود.
وفي المجمل، فان الردود والتعليقات التي يكتبها القراء لا تخضع لرقابة حقيقية من قبل المواقع التي تقوم في مرات محدودة بالتدخل فقط لشطب عبارات قد تتضمنها الردود وتعتبر "مسيئة أو فيها تحقير وشتم" كما يقول احد مسؤولي المواقع.
وباستثناء "موقع عمان نت، راديو البلد "، فانه لا توجد لوائح أو مواثيق داخلية في هذه المواقع تحدد ما هو قابل للنشر من عدمه. وهي بالتالي تعتمد على التقديرات الشخصية للصحفيين العاملين.


ومع ذلك، فان موقع "عمان نت" لا يلتزم دائما بهذه المواثيق، ويترك امر اقرار انزال او شطب التعليق بحسب "مزاج المحرر"، الامر الذي ادى الى توريط الموقع بدعوى قانونية بعد ان كتب احدهم تعليقا اعتبر مسيئا لمجلس النواب.


في المقابل، تحدث مسؤولو بعض المواقع عن أشكال من القيود والرقابة، تجعلهم يفكرون في ضبط الردود، وكذلك عن تعرضهم لمضايقات وضغوط من قبل الحكومة وبعض المؤسسات الأهلية.


وفي هذا الإطار، قالت سوسن زايدة رئيسة تحرير موقع إذاعة "عمان نت" التي أصبح اسمها حديثا "راديو البلد" ان "هناك أشكالا مختلفة من الرقابة والقيود التي تمارسها الحكومة، القوانين، والمؤسسات الدينية والمجتمعية المختلفة، على العاملين في هذه المواقع".
وأضافت ان "أحدث الأمثلة هو منعنا من بث جلسات النواب إثر تعليق نشر على موقعنا، تضمن نقدا للنواب".


وأشارت إلى ضغوط حكومية يتعرضون لها من اجل حذف مواد وتعليقات منتقدة.


ولأغراض هذا التقرير قمنا بكتابة تعليقات وباسم حقيقي، على مواد نشرت في صحف الدستور والغد والعرب واليوم ومواقع عمون وعمان نت وسرايا نيوز، ولكنها إما تعرضت للتحرير وإما تم تجاهلها أو حذفها في بعض الأحيان.


وفي هذا السياق ايضا، يجدر بالذكر السابقة الخطيرة التي سجلها مدعي عام عمان في ايار الماضي عندما امر موقع عمون بعدم تحميل تعليقات وردود المستخدمين على خبر اعتقال النائب السابق احمد عويدي العبادي، وهي سابقة خطيرة تؤشر على مزيد من التدخل في عمل المواقع الإعلامية على الشبكة من ناحية، كما تظهر قصورا في نظر بعض الجهات الحكومية حين تحاول التضييق على المواقع المحلية، فإذا كانت وكالة عمون قد صدعت لأمر المدعي العام فهل سوف تصدع مواقع اخرى خارج البلد لهذا الأمر، وهل ستقوم الحكومة بمراقبة الشبكة لضبط أي رد خارج عن ما تريد؟؟.


وعلى أي حال، فانه لا توجد معايير وسياسيات محددة مدرجة في المواقع تحدد كيفية التعامل مع التعليقات، والأمر لا يزال متروكا لتقدير المحررين.


ومهما يكن من امر، فان مشكلة التعامل مع تعليقات القراء، يجب وضعها في سياق مهنية المواقع الالكترونية التي لا تزال بحاجة الى الارتقاء بمستواها.


كما يتعلق الامر بصياغة سياسيات تحريرية للمواقع ومواثيق شرف مهنية توائم بين الحرية والمسؤولية الاجتماعية.
والمسؤولية الاجتماعية للصحافة لا تعني باي حال من الاحوال تقييد حرية الرأي بقدر ما تعني عدم مساهمة الصحافة في نشر ثقافة العنف والكراهية والتحريض على الارهاب والتمييز العنصري.


الى جانب كل ذلك، فان وضع سياسات تحريرية للمواقع، يتضمن كيفية التعامل مع ردود القراء، سوف يسهم بشكل مباشر في ضمان حق المواطن في الحصول على معلومات "موثقة" من خلال ردود القراء، التي غالبا ما تحمل، اي هذه الردود، معلومات مضللة او متعمدة او خاطئة، وهو ما يسهم في تضليل وتشويش القراء او بالحد الادنى اطلاق العنان للاشاعات.