الأردن والعراق.. ملفات أمنية واقتصادية على الطاولة

شدد رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان خلال استقباله رئيس مجلس النواب العراقي وهيب الحلبوسي والوفد المرافق في دار رئاسة الوزراء، على أن أمن العراق يشكل ركناً أساسياً من أمن الأردن واستقرار المنطقة. 

وأكد رئيس الوزراء موقف الأردن الداعم لجهود ترسيخ الأمن والاستقرار في العراق، والمضي في مسيرته التنموية، مشيراً إلى أن الروابط بين البلدين تتجاوز الإطار السياسي لتشكل شراكة استراتيجية متنامية.

في هذا اللقاء تؤكد عمّان وبغداد على متانة العلاقات التاريخية بينهما، يبرز البعد الأمني بوصفه العنوان الأكثر إلحاحاً في النقاشات غير المعلنة، خصوصاً في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بأمن الحدود والأجواء.

 الأردن، الذي واجه خلال فترات التصعيد الإقليمي الأخيرة تهديدات عبر طائرات مسيّرة ومقذوفات عبرت مجاله الجوي أو اقتربت من حدوده الشرقية، ينظر بقلق إلى استمرار نشاط جماعات مسلحة غير نظامية داخل الأراضي العراقية، ما يضع ملف ضبط الفصائل خارج سلطة الدولة العراقية في صلب أي مقاربة مستقبلية للعلاقات الثنائية.

من هي "سرايا أولياء الدم": ذراع النفوذ الإيراني في العراق؟

وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد رئيس الوزراء الأردني على أن أمن العراق جزء لا يتجزأ من أمن الأردن والمنطقة، بعداً عملياً يتجاوز الخطاب السياسي التقليدي، ليعيد صياغة المعادلة على أساس الترابط الأمني المتبادل. فالمعادلة التي تطرحها عمّان تقوم على قاعدة واضحة مفادها أن دعم استقرار العراق لا ينفصل عن ضرورة ضبط السلاح خارج إطار الدولة، ومنع تحوّل الجغرافيا العراقية إلى ساحة ارتدادات إقليمية تهدد الأمن الأردني وتربك مسارات التعاون الاقتصادي الجاري بناؤه.

وعلى المستوى الاقتصادي، يشكّل ملف الطاقة أحد أعمدة الشراكة الأكثر رسوخاً بين البلدين، حيث يتواصل استيراد الأردن للنفط العراقي ضمن ترتيبات تجارية قائمة على معادلة تسعير مرتبطة بخام برنت، مع خصومات تُحتسب وفق عناصر النقل والنوعية والكلف التشغيلية. 

هذا النموذج، الذي تطور خلال السنوات الماضية، يعكس مقاربة براغماتية في إدارة المصالح المشتركة، ويحوّل التعاون النفطي إلى رافعة اقتصادية مزدوجة، إذ يدعم احتياجات الأردن من الطاقة ويمنح العراق منفذاً مستقراً لتصدير جزء من إنتاجه.

وفي موازاة ذلك، يتقدم ملف النقل البري بوصفه امتداداً طبيعياً لهذه الشراكة، عبر تشغيل مسارات لوجستية تربط البلدين وتنعش قطاع الشحن والخدمات، بما يخلق شبكة مصالح اقتصادية عابرة للحدود، تتداخل فيها اعتبارات الطاقة بالتجارة والخدمات اللوجستية.

أما في قطاع الكهرباء، فيمثل الربط الكهربائي بين البلدين خطوة تدريجية نحو تكامل أوسع في منظومة الطاقة الإقليمية، حيث يساهم تزويد مناطق عراقية محددة بالطاقة الكهربائية من الشبكة الأردنية في تخفيف الضغط على البنية التحتية العراقية، ويفتح في المقابل المجال أمام الأردن لتوسيع حضوره في سوق الطاقة الإقليمية، ضمن إطار تعاون تقني قابل للتوسع.

ولا يقل ملف ميناء العقبة أهمية عن باقي محاور التعاون، إذ يوفّر للعراق منفذاً استراتيجياً على البحر الأحمر، ويمنح حركة التجارة العراقية مساراً بديلاً نحو الأسواق العالمية.

 وتُترجم هذه الشراكة في حزمة تسهيلات لوجستية وجمركية تعزز جاذبية الميناء كمركز عبور إقليمي، وتربط الاقتصادين الأردني والعراقي بسلسلة قيمة واحدة تمتد من الموانئ إلى الأسواق الداخلية.

وتكتسب زيارة الوفد البرلماني العراقي بعداً إضافياً، كونها تضيف طبقة تشريعية وسياسية ضرورية لتثبيت هذه المشاريع وضمان استمراريتها بعيداً عن تغيرات الحكومات والظروف السياسية، بما يعزز فكرة الشراكة طويلة الأمد القائمة على التكامل لا على المصالح الظرفية.

وفي المحصلة، تبدو العلاقات الأردنية العراقية أمام مرحلة إعادة تموضع دقيقة، تقوم على معادلة مزدوجة: توسيع مساحات التعاون الاقتصادي واللوجستي، بالتوازي مع تشديد متطلبات الأمن وضبط الحدود، في محاولة لصياغة نموذج إقليمي أكثر توازناً بين التنمية والاستقرار، في بيئة لا تزال شديدة التقلب.