«نسيج» يروي حكاية العراقيين في الأردن، حضور يتجاوز الغربة ويصنع جسراً إنسانياً وثقافياً
سلّط برنامج «نسيج» الذي تبثه راديو البلد الضوء على تجربة العراقيين في الأردن، في حلقة حملت أبعاداً إنسانية وثقافية عميقة، كاشفة كيف تحوّلت الغربة إلى مساحة تواصل واندماج، أعادت تشكيل الهوية المشتركة بين المجتمعين.
واستعرضت الحلقة، التي جاءت بعنوان «العراقيون في الأردن.. حكاية أقرب من الغربة»، نماذج حية من قصص الاندماج والتفاعل الثقافي، من خلال استضافة الفنانة والحرفية وسل باسل، والإعلامي حسين الأسدي، حيث قدّم الضيفان صورة واقعية عن حياة العراقيين في المملكة، وما تحمله من تفاصيل يومية تتجاوز فكرة اللجوء أو الاغتراب.
وأكدت وسل باسل أن تجربتها الفنية انطلقت من ظروف صعبة عاشها العراقيون خلال فترات الحصار، حيث دفعت الحاجة إلى الابتكار وإعادة تدوير المواد البسيطة، لتتحول لاحقاً إلى مشروع فني متكامل يعكس الهوية العراقية بلمسة معاصرة. وأوضحت أن أعمالها، التي تمزج بين التراث والفن الحديث، تهدف إلى الحفاظ على الرموز الثقافية وإيصالها للأجيال الجديدة، في ظل ما وصفته بابتعاد هذه الأجيال عن موروثها الأصلي.
وبيّنت أن الأردن شكّل بيئة حاضنة لهذا النوع من الفن، حيث أبدى المجتمع المحلي انفتاحاً لافتاً على مختلف الثقافات، ما ساعد على انتشار منتجات تحمل رموزاً عراقية وفلسطينية وأردنية في آن واحد، في تعبير واضح عن تداخل الهويات الثقافية في الحياة اليومية.
وفي سياق متصل، أكدت باسل أن الفن يمكن أن يكون أداة فعالة لبناء جسور بين الشعوب، مشيرة إلى أن التفاعل بين الأردنيين والعراقيين لم يقتصر على الفنون، بل امتد إلى العادات والتقاليد وحتى المطبخ، ما خلق حالة من التمازج الثقافي الطبيعي.
من جانبه، استعاد الإعلامي حسين الأسدي لحظة وصوله الأولى إلى الأردن، واصفاً إياها بمزيج من مشاعر الغربة والأمان، مؤكداً أن ما خفف من وطأة البعد عن الوطن هو القرب الثقافي والإنساني، حيث بدت عمّان بالنسبة له مدينة مألوفة تحمل الكثير من ملامح البيئة العراقية.
وأشار الأسدي إلى أن تفاصيل بسيطة، مثل اللهجة أو جلسات الشاي أو الأغاني العراقية، لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على ارتباط العراقيين بوطنهم، حتى وهم يعيشون خارج حدوده الجغرافية، لافتاً إلى أن الجاليات غالباً ما تعيد إنتاج بيئتها الثقافية في أماكن وجودها.
وتحدث عن العادات الاجتماعية التي ما زالت حاضرة بقوة بين العراقيين في الأردن، وعلى رأسها الترابط العائلي، والكرم، واحترام الضيف، وهي قيم مشتركة مع المجتمع الأردني، ما ساهم في تسهيل عملية الاندماج.
كما تطرّق إلى حضور المطبخ العراقي في الحياة اليومية بالأردن، مشيراً إلى أن أطباقاً مثل الدولمة والبرياني والكباب أصبحت مألوفة لدى الأردنيين، في دلالة على عمق التبادل الثقافي بين الطرفين.
وفيما يتعلق بالمناسبات الاجتماعية، أوضح الأسدي أن الأعراس العراقية ما تزال تحتفظ بطقوسها التقليدية، من الأغاني والدبكات، إلا أنها باتت تشهد مشاركة أردنية واسعة، ما يعكس حالة التفاعل والتقارب بين المجتمعين.
وأكد أن العلاقة بين العراق والأردن تتجاوز الأطر الرسمية، لتأخذ طابعاً إنسانياً واجتماعياً عميقاً، عززته سنوات من التعايش، بل وصل إلى حد المصاهرة بين العائلات، ما أسهم في ترسيخ روابط متينة بين الشعبين.
وفي محور آخر، شدد الأسدي على الدور الحيوي للإعلام في الحفاظ على الهوية الثقافية للجاليات، موضحاً أن البرامج الثقافية والاجتماعية تسهم في نقل التراث والعادات إلى الأجيال الجديدة، وتبقيهم على صلة بجذورهم، معتبراً أن الإعلام يشكل جسراً يربط الإنسان بوطنه أينما كان.
وخلصت الحلقة إلى أن تجربة العراقيين في الأردن تمثل نموذجاً للتعايش الثقافي الإيجابي، حيث تتداخل الهويات دون أن تذوب، وتُبنى العلاقات على القيم المشتركة والاحترام المتبادل، في صورة تعكس جوهر المجتمعات العربية وقدرتها على احتواء التنوع وتحويله إلى عنصر قوة.











































