دراسة تحليلية راصدة للتعهدات الحكومية في خطابات الثقة(1999-2011) .. وعود تتبلور أم تتبخر?
الحلقة الخامسة- الأخيرة
التشريعات والتنمية السياسية
بصيغة الأماني والتخيير معا جرى الاعلان الحكومي للمرة الأولى, قبل اثنتي عشر عاما, عن تفاؤلها وأملها في انجاز قانون للانتخابات يكون عصريا بمواصفاته ومواده الناظمة الحاكمة, ليخلف قانون الانتخاب الذي أُقرّ عام 1993 فيما عُرف منذ ذلك الحين الى اليوم ب¯ قانون الصوت الواحد, وهو القانون الذي تعرض منذ اقراره الى حملات من النقد والتفكيك بل وحتى التشكيك في دستوريته على نطاق واسع., جاء هذا التعهد وفقا للسرد النصيّ الآتي:
ان الحكومة تأمل أن يتم انجاز قانون انتخاب عصري من خلال المشروع المعروض على مجلسكم أو من خلال اعداد قانون جديد1
غير أن هذا التعهد بلغته السياسية الفضفاضة قد جرى تناوله على نحو مغاير في لغة البيان الوزاري اللاحق, وأخذت لغة الحسم واليقين تحل محل لغة التخيير والتمني, فجاء التعهد بصيغته الجديدة على هذا النحو:
تحديث القوانين والتشريعات, وفي مقدمتها قانونا الأحزاب والانتخابات, اللذان يجرى اعدادهما للنهوض بالعمل السياسي2
الملاحظة الأساسية في السياق السابق أنه جرى عرض قانون الانتخابات باقترانه مع قانون الأحزاب, ليجرى منذ ذلك الحين تقديم المشروعين والتعهد بانجازهما ضمن حزمة متكاملة ذات صلة بعموم عملية الاصلاح السياسي.
وما لبث التخيير أن تسلل مجددا بلغته السياسية في هذا الطرح الوزاري للكيفية التي سيتم من خلالها التعامل مع حزمة القوانين والتشريعات الناظمة للحياة السياسية. برز ذلك من خلال تعهد جديد, وبلغة واعدة جديدة, دونما تنفيذ لما يجرى اطلاقه من تعهدات, فقط مزيد من اطلاق الوعود:
ان تعظيم وتكريس الثقافة الديمقراطية من أولويات هذه الحكومة, حيث ستعمل على تعديل أو وضع التشريعات اللازمة...وستكون قوانين الأحزاب والانتخابات جزءا رئيسيا من الحوار الايجابي المسؤول.3
اصدار وتعديل ما يلزم من قوانين ناظمة لهذا التوجه...وهي: قانون الأحزاب, وقانون البلديات, وقانون الانتخاب...4
تتالت الحكومات بعضها عقب بعض غير أن أيا من التعديلات أو الاصدارات الموعودة للقوانين الناظمة للحياة السياسية لم يحدث الى أن صدر قانون للانتخابات هذا العام, والذي لا يزال مثار جدل واسع في الأوساط السياسية والحزبية, وكذا الحال لمشروع قانون الأحزاب الصادرفي الفترة ذاتها.
في فترات التعهد غير المنجز على صعيد التشريعات الناظمة للحياة السياسية, تم التوسع في اطلاق وعود بمجالات تتعلق بمسائل الحكم المحلي وأشكال هذا الحكم, وذلك لأهداف تتعلق بخلق فرص سياسية وادارية حقيقيتين حتى يشارك أكبر عدد من المواطنين في صناعة القرار:
وستعمل الحكومة على مراجعة منظومة التشريعات التي تستند اليها عملية البناء الديمقراطي والحياة السياسية والمشاركة الشعبية, وبما يشمل قانون الانتخابات النيابية وقانون الاجتماعات العامة وقانون الاحزاب وقانون البلديات ومشروع اللامركزية.5
التعهد الحكومي بتنفيذ مشروع اللامركزية, نابع في فكرته الأصلية من جهة أن ثمة مصالح ينبغي ترك مباشرتها والإشراف عليها للسكان المحليين, كيما يعطى المجال للحكومة المركزية لتتفرغ للقضايا الكبرى المتعلقة بعموم المصلحة الوطنية لذا جاء هذا المشروع في سياق عموم المشاريع التي تنوي الحكومة اقرارها على صعيد الحكم المحلي.
مشروع قانون اللامركزية لم يحظ بالاهتمام والعناية, وكذا بالنقد والهجوم, على النحو الذي حظي به من قبل مشروع الأقاليممن قبله, الذي جرى عرضه على نحو غير مباشر في عدد من البيانات الوزارية. ووفقا لمعلومات جرى تداولها عبر وسائل صحفية فان ملاحظات تطبيقية على المشروع استدعت ليس فقط اعادة صياغة المشروع, بل وتأجيل صدوره الى أجل غير مسمى.
ساحة الحرية
فيما يبدو فان ارساء أسس للديمقراطية عبر المسار الموعود لحزمة من القوانين والتشريعات الناظمة, مراحل تجاوزتها الحكومات الوطنية بمراحل, وبات الحديث السياسي في بعض جوانبه معنيا على نحو ما بمظاهر ديمقراطية حازته وانتهجته دول لها عمق التجربة وحقيقيتها.
بيان سياسي أراد أن يذهب في فضاءات وعده بالانجاز الحكومي الى ما هو أبعد من اقرار التشريع وذلك من خلال ارساء تقاليد وسلوكات شبيهة بتلك التي تمارس في دول تجذرت فيها الحياة الديمقراطية الحقيقية منذ مئات السنين.
هذه النقلة المذهلة في العمل السياسي نجدها من خلال هذا التعهد السياسي, المتقدم على كل ما سبقه من تعهدات ووعود, بله وتفوق عليها, نجده في المقطع النصيّ التالي:
ستتخذ الحكومة خطوة عملية هي الأولى من نوعها في الأردن, وتتمثل في تنفيذ مشروع ساحة الحرية كمنبر للتعبير الحر.6
انها ساحة شبيهة بساحة هايد بارك في لندن وعلى غرارها, ساحة ضامنة لابداء الآراء والاعلان عن التوجهات والأفكار بحرية, يتجمهر الناس مطمئنين وواثقين الى أنهم يمارسون حقا انسانيا مشروعا, لن يحاسبوا أو حتى توجه لهم اللائمة على ما أفصحوا من آراء, طالما أن العملية تمت بدون أي مظهر من مظاهر العنف.
مواثيق الشرف
فلسفة مواثيق الشرف, وفقا لما جرى اقراره والتوافق على مضمونه في الدول التي قطعت شوطا بعيدا في التمدن, أن مجتمعات هذه الدول أرادت أن تتميز عن غيرها من المجتمعات, التي لا تزال تتلمس طريق النهوض, ليس فقط من خلال تقيدها بالقوانين والتشريعات على اختلافات مستوياتها الناظمة, بل أرادت تجاوز هذه المرحلة من خلال الاحتكام الى أسلوب ونمط آخر من التشريع, سمته الأساسية هي الخلق والاعتقاد بأن الناس في المجتمع يمكن الوثوق في التعامل معهم من منطلق الشرف, وهذا النمط جرى تعميمه في العديد من القطاعات ومجالات العمل المختلفة.
محاكاة لهذا النهج المتقدم جرى التعهد بتنفيذه والالتزام بمضامينه وفقا للتعهد الوزاري الآتي:
وستسعى الحكومة جهدها لتعزيز هذه المفاهيم وتحقيق المساواة والعدالة بين المواطنين في الحقوق والواجبات... وسترسي قواعد ميثاق شرف لهذا الغرض يعتمد مبدأ الكفاءة والاقتدار كمعيار أساس لتولي الوظائف وفق ما نص عليه الدستور7
انه التعهد الحكومي الصارم والحازم, الذي لم يتبلورواقعا أوان اطلاقه, ناهيك أن أيا من البيانات الوزارية للحكومات اللاحقة لم تأت على ذكره. انه التعهد الحكومي بسقفه الأعلى, الذي تجاوز مسألة التشريع القانوني المقرّ والمتعارف عليه, باعتبار أن القوانين قد حققت غاياتها وأهدافها المرجوة, لينطلق الحديث على نحو مفاجىء بالاعتماد على مواثيق الشرف, وفي أي مسائل أو قضايا? انها المسائل المتصلة بالمساواة والعدالة بين المواطنين وانصافهم.
الاسكان
تعميم فكرة صناديق الاسكان لتشمل كافة موظفي الدولة, بكافة شرائحهم, على غرار صناديق الاسكان لموظفي وزارة التربية والتعليم, والعاملين في القوات المسلحة, اضافة الى بعض الصناديق المبعثرة هنا وهناك, فكرة التفت اليها بيان وزاري منذ اثنتي عشرة عاما, وتعهد بعزم على امضائها وانفاذها الى الوجود :
ان الحكومة عازمة على انشاء صندوق ادخار لموظفي الدولة لغايات الاسكان8
ومنذ ذلك التاريخ والى الآن فان هذه الفكرة لم يتم تناولها أو بحثها في أي من البيانات الوزارية اللاحقة, لتبقى واحدة من الأفكار الكبيرة والمهمة نظرا لانعكاساتها الايجابية على قطاع كبير من المواطنين, غير أن نصيبها كيما تخرج الى الوجود بقي معدوما, لغاية اليوم على الأقل.
1- البيان الوزاري, حكومة المهندس علي أبو الراغب الأولى.
2- البيان الوزاري, حكومة د. عدنان بدران.
3- البيان الوزاري, حكومة المهندس نادر الذهبي.
4- البيان الوزاري, حكومة د. معروف البخيت الأولى.
5- البيان الوزاري, حكومة د. معروف البخيت الثانية.
6- البيان الوزاري, حكومة د. معروف البخيت الثانية.
7- البيان الوزاري, حكومة المهندس علي أبو الراغب الأولى.
8- البيان الوزاري, حكومة عبدالرؤوف الروابدة .
span style=color: #ff0000;العرب اليوم/span











































