صحفي أمريكي يكتب: حملة السفير الأمريكي الجديد تأتي بنتائج عكسية في الأردن
كتب الصحفي الأميركي آرون ماجيد كتب مقالا تناول فيه ردود الفعل السياسية والشعبية في الأردن على تحركات وزيارات السفير الأميركي الجديد.
مسلطا الضوء على الجدل الذي أثارته هذه الزيارات، والسياق الاجتماعي والسياسي الذي واجهته، وانعكاساتها على صورة الدبلوماسية الأميركية داخل المملكة.
ماجيد، وهو صحفي عمل سابقا في عمّان وصاحب سيرة حديثة عن الملك عبد الله الثاني، قدّم قراءة معمقة تستند إلى آراء صحفيين ونواب وأكاديميين أردنيين، وربط بين هذه التفاعلات والموقف الأردني الأوسع من السياسات الأميركية في المنطقة.
نص المقال في موقع Responsible Statecraft
منذ وصوله إلى عمّان قبل نحو ثلاثة أشهر لتولي مهامه سفيرا للولايات المتحدة لدى الأردن، تحوّل جيمس هولتسنيدر سريعا إلى واحد من أكثر الدبلوماسيين حضورا في المشهد العام داخل المملكة الهاشمية. فإلى جانب تقديم أوراق اعتماده للملك عبد الله الثاني، حرص هولتسنيدر على لقاء لاعبي كرة قدم أردنيين، وحضور حفلات زفاف، والمشاركة في تجمعات عشائرية.
غير أن طلبا تقدمت به بعثة من السفارة الأميركية في 14 كانون الثاني، يقضي بزيارة السفير لمنزل عزاء عائلة رئيس بلدية الكرك الأسبق عبد الله الضمور لتقديم واجب العزاء، كشف أن شريحة واسعة من الأردنيين غير معنية بالمشاركة في ما يُنظر إليه على أنه حملة علاقات عامة يقودها هولتسنيدر. فقد رفض أقارب الضمور استقبال السفير الأميركي، وأصدرت عشيرة الضمور بيانا قالت فيه إن الطلب «ينتهك الأعراف العشائرية الأردنية التي تفصل قدسية العزاء عن أي حضور سياسي له دلالات عامة».
الصحفية الأردنية المخضرمة لميس أندوني أوضحت في مقابلة صحفية أن رفض عائلة الضمور استقبال الدبلوماسي الأميركي جاء بدافع الغضب الشعبي الأردني من الدعم الأميركي لإسرائيل خلال الحرب على غزة.
وقال النائب الأردني باسم الروابدة، عن حزب جبهة العمل الإسلامي، موجها حديثه إلى العائلة، «يا آل الضمور الكرام، لقد فعلتم ما يرضي ربكم. من يرحب ويكرم القتلة والمجرمين شريك في جرائمهم». وفي إشارة إلى المزاج الشعبي في الجنوب الأردني، افتتح عام 2024 مطعم شاورما في الكرك يحمل اسم «7 أكتوبر». من جهتها، رفضت السفارة الأميركية في عمّان طلبات إجراء مقابلات مع هولتسنيدر.
في تموز 1997، التحق هولتسنيدر بسلاح مشاة البحرية الأميركية، مبررا ذلك برغبته في أخذ استراحة من الدراسة. خدم لمدة ست سنوات، من بينها العمل كحارس أمني في سفارتي الولايات المتحدة في زيمبابوي وتركيا. وبعد خروجه من الخدمة العسكرية، حصل على درجة البكالوريوس في الفيزياء من جامعة كولورادو، ثم انضم إلى وزارة الخارجية الأميركية كدبلوماسي مهني عام 2007.
كثيرون في عمّان أبدوا دهشتهم من طلب السفير زيارة عزاء الضمور خاصة أن رئيس بلدية الكرك الأسبق كان بعثيا ومعروفا بانتقاداته الحادة لواشنطن.
النائب الأردني السابق طارق خوري قال في مقابلة صحفية إن «تجاهل هذا البعد السياسي والإنساني يعكس سوء تقدير عميق للسياق المحلي». وأضاف أن «مثل هذه الخطوات ترفع منسوب التوتر، وتعزز الانطباع بأن الدبلوماسية الأميركية كثيرا ما تفتقر إلى الحساسية المطلوبة تجاه الذاكرة والكرامة والهوية السياسية داخل المجتمع الأردني».
ولم تكن عائلة الضمور الوحيدة التي رفضت استقبال هولتسنيدر. فبعد أسبوع واحد، رفض أقارب اللواء المتقاعد إبراهيم الصرايرة أيضا طلبا تقدمت به جهات أميركية في 21 كانون الثاني لزيارة بيت العزاء. وتنسجم هذه المواقف مع اتجاهات الرأي العام في الأردن، إذ أظهر استطلاع للرأي أجري عام 2025 أن 57 في المئة من الطلبة الأردنيين ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها «دولة عدوة».
وتجدر الإشارة إلى أن سفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى عمّان، أليس ويلز، واجهت بدورها صعوبات خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب. فقد ذكرت مجلة «فورين بوليسي» في آب 2017 أن ترامب أنهى مهمة ويلز قبل أوانها بعد أن أعرب الملك عبد الله الثاني عن تحفظاته.
وقال مسؤول أميركي سابق إن العاهل الأردني كان غير راض عن طريقة تعامل إدارة الرئيس باراك أوباما مع مقتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة على يد تنظيم داعش، وذلك بعد فترة وجيزة من بدء ويلز مهامها عام 2014.
تحت قبة البرلمان، وجّه النائب حسين العموش سؤالا إلى وزير الخارجية أيمن الصفدي حول ما إذا كانت الجولات الميدانية المتكررة للسفير الأميركي تتم بالتنسيق مع الحكومة الأردنية، وما إذا كانت منسجمة مع الأعراف الدبلوماسية. الصفدي رد بأن هذه الزيارات اعتيادية، وأن السفراء الأردنيين في الخارج يقومون بأنشطة مماثلة. وخلال العقد الماضي، قدمت الولايات المتحدة للأردن مساعدات تجاوزت 10 مليارات دولار في عهد إدارات ديمقراطية وجمهورية على حد سواء.
كما أثارت لحية هولتسنيدر الطويلة والبنية اللون جدلا واسعا. فقد خصص صحفيون محليون مقالات كاملة للحديث عن مظهره، الذي يُعد غير مألوف لسفير غربي في عمّان.
وكتب أحد المعلقين على منصة إكس «أقسم لو كان عربيا لقالوا إنه عنصر في داعش». أما طارق خوري فاعتبر أن «اللحية فُهمت لدى كثيرين على أنها استحضار لصورة استشراقية أو استعراضية، لا صورة دبلوماسية حديثة».
وبالنسبة لبعض الأردنيين، كان تركيز هولتسنيدر على التواصل مع العشائر مثيرا للجدل. الدكتور حسن الدعجة أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة الحسين بن طلال، قال في مقابلة إن «منتقدين رأوا أن السفير، بقصد أو من دون قصد، يمنح شرعية دولية للبنى التقليدية على حساب الدولة الحديثة، ما يضعف مفهوم المواطنة ويعزز منطق العشيرة على حساب سيادة القانون».
في المقابل، رأت رنا الصباغ، رئيسة تحرير صحيفة «جوردان تايمز» السابقة، أن تواصل المسؤولين الأجانب مع العشائر ممارسة دبلوماسية طبيعية، باعتبار أن العشائر جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الأردني.
كذلك، أثار الماضي العسكري لهولتسنيدر اهتماما خاصا، لا سيما بعد إسقاط قوات أميركية متمركزة في الأردن لطائرات مسيرة إيرانية كانت متجهة نحو إسرائيل. وكتب الناشط الأردني كامل الزعبي على وسائل التواصل الاجتماعي «إرسال رجل عسكري إلى الأردن رسالة واضحة بأن واشنطن تنظر إلينا كقاعدة لا كدولة، وكحكومة تابعة لا مستقلة». في المقابل، أشار الدكتور الدعجة إلى أن عددا من السفراء يحملون خلفيات أمنية، وأن الخدمة العسكرية لا تعني بالضرورة نوايا عدائية.
وسبق أن واجه هولتسنيدر جدلا في منصبه السابق بالمنطقة. ففي حزيران 2022، استدعت وزارة الخارجية الكويتية هولتسنيدر، وكان يشغل حينها منصب القائم بالأعمال، لتوبيخه على خلفية منشور لحساب السفارة الأميركية في الكويت تضمن علم قوس قزح. وطالبت الخارجية الكويتية بضرورة «احترام القوانين واللوائح المعمول بها في دولة الكويت، والالتزام بعدم نشر مثل هذه التغريدات». وكان حساب السفارة قد وصف الرئيس جو بايدن بأنه «مدافع عن حقوق المثليين». ولم يصدر عن هولتسنيدر حينها أي رد علني على هذا الاستدعاء.
الارتباط العاطفي في الأردن بالحرب على غزة عميق. ورغم الاحتجاجات الشعبية الواسعة، تؤكد لميس أندوني أن الأردنيين يشعرون «بالعجز» في ظل استمرار واشنطن بتزويد إسرائيل بأسلحة متطورة. ونتيجة لضيق الخيارات، ترى أندوني أن الأردنيين يلجأون إلى التعبير عن غضبهم من خلال رفض ما تصفه بـ«حملة الترويج» التي يقودها هولتسنيدر.










































