خبراء: التحول العسكري استباقي للتحديات المستقبلية وتوظيف التكنولوجيا الحديثة
على مدى سنوات، شهدت القوات المسلحة الأردنية تطورا مستمرا في قدراتها، لكن التوجيهات الملكية الأخيرة بإعداد استراتيجية وطنية شاملة وخارطة طريق لتحقيق تحول بنيوي نوعي خلال الأعوام الثلاثة المقبلة يمثل مرحلة جديدة وغير مسبوقة في تاريخ الجيش الأردني.
فبينما كانت المبادرات السابقة تركز على تحديث المعدات وتعزيز التدريب وتطوير بعض القدرات التقنية، يأتي التوجيه الحالي ليضع الجيش أمام تحول شامل يربط الهيكل التنظيمي والقدرات العملياتية مباشرة بالتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والحروب الهجينة.
ويرى الخبير الأمني والعسكري الدكتور عمر الرداد أن هذا التحول لا يرتبط بخطر آني بقدر ما هو استعداد استباقي لتحديات قادمة، يعتبر السياسي والمستشار الأكاديمي الدكتور محمد أبو رمان أن الرسالة الملكية تحمل رسائل استراتيجية للداخل والخارج، وتستند إلى دروس الحروب الأخيرة والتحولات في النظام الدولي والإقليمي.
وجاءت الرسالة الملكية الموجهة إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة، الجيش العربي، كخارطة طريق واضحة لتعزيز الجاهزية وتحديث القدرات بما يتوافق مع التغيرات الأمنية السريعة والتحديات الإقليمية.
وتلقى الملك عبدالله الثاني رسالة جوابية من رئيس هيئة الأركان المشتركة، اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي، أكد فيها التزام القيادة العسكرية بتنفيذ الرؤية الملكية ضمن إطار زمني محدد وأهداف استراتيجية واضحة.
وأكدت الرسالة الملكية على أن هذا التحول يجب أن يكون شاملا ومترابطا، يغطي الجاهزية، الهيكل التنظيمي، والقدرات العملياتية، مع إدماج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في كل مستويات التخطيط والتدريب والعمليات، لضمان قوة نوعية للجيش في مواجهة أي تهديدات معقدة.
رؤية استشرافية وتحول نوعي
يرى الخبير الأمني والعسكري الدكتور عمر الرداد في حديثه لـ "عمان نت"، أن التوقيت والدلالات الاستراتيجية للمبادرات الأخيرة ليست جديدة على الملك عبدالله الثاني، مؤكدا أن الاهتمام بالقوات المسلحة يعد من الثوابت لدى الملك والدولة الأردنية، مشيرا إلى أن القوات المسلحة الأردنية تلعب دورا محوريا سواء في أوقات السلم أو أثناء مواجهة التهديدات، إضافة إلى مساهمتها في جهود التنمية الوطنية.
ويشير الرداد إلى أن التوقيت الحالي لهذه الخطوات لا يبدو مرتبطا بمواجهة خطر محدق بالأردن بشكل مباشر، بل يأتي في إطار التحضير لمواجهة تحديات مستقبلية، ويعد محطة مهمة في مسار تطوير القوات المسلحة.
ويرى أن رؤية الملك الاستشرافية تتجه نحو إدراك أن الجيوش لم تعد تعتمد على الكم التقليدي من الجنود والمعدات كمعيار رئيسي، بل أصبحت تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، مع التركيز على النوعية والكفاءة بدلا من العدد.
ويضيف أن الملك يوجه الجيش برسائل واضحة تتضمن محاور متعددة تهدف إلى تحويل القوات المسلحة الأردنية لتكون ضمن مصاف الجيوش الحديثة عالميا، التي تتبنى التطورات التقنية الحديثة، مؤكدا أن أساليب الحروب التقليدية لم تعد كافية لمواجهة التحديات الجديدة.
ويشير الرداد إلى أن تطوير القوات المسلحة ليس مرتبطا بحدث محدد، بل هو خطة زمنية تمتد ثلاث سنوات، تهدف إلى الاستعداد لما هو قادم، ويعكس تقديرا استشرافيا لدى الملك ولكل مؤسسات الدولة الأردنية.
ويضيف أن الثوابت في العلوم العسكرية والاستخبارية الحديثة ليست دائمة، ولا توجد صداقات أو أدوات دائمة، كما تظهر التجارب الإقليمية، ويشير إلى أهمية تطوير القدرات العسكرية والأمنية بشكل مستمر، مشيرا إلى أن أي خطط مستقبلية ستتم إعادة تقييمها وتحديثها وفق المستجدات لضمان حماية الأمن والسيادة الوطنية.
ماذا يعني التحول البنيوي؟
وبخصوص التحول البنيوي النوعي في السياق العسكري، يوضح الرداد أن المقصود بالبنية هو الهيكل التنظيمي المادي للقوات المسلحة، بما يشمل القوى الهجومية والداعمة، ويشمل إعادة رسم هذه البنية لتتوافق مع التحديات والتهديدات الحديثة، التي اختلفت بشكل جذري عن الماضي.
ويشير الرداد إلى أن الحروب قبل عقدين تقريبا كانت حروبا متناظرة بين جيوش مواجهة جيوش، بمعنى أن المشاة تواجه المشاة، والمدفعية تواجه المدفعية، وسلاح البحرية يواجه البحرية، والطيران يواجه الطيران، أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة الصراع، وأصبحت الحرب تتضمن مجموعات أو منظمات أقل من الدول، مثل الحروب التي تشنها المليشيات، والتي تختبئ بين المدنيين وتستخدم عناصر مدربة وتقنيات عالية، وهو ما يتطلب تطوير قدرات القوات المسلحة والجيوش النظامية لمواجهتها.
ويضرب مثالا بخطر تهريب المخدرات والأسلحة من الجنوب السوري، موضحا أن مواجهة هذه المخاطر لا تتم عبر المواجهة التقليدية بالدبابات والمدفعية، بل تحتاج إلى تكتيكات وتقنيات حديثة، بما يعكس التغيير البنيوي في طبيعة القوات المسلحة واستراتيجياتها.
وحول أبرز المحاور التي من المتوقع أن تتضمنها الاستراتيجية العسكرية للسنوات الثلاث المقبلة، يشير الرداد إلى أنها مستمدة من الرسالة الملكية لقائد الجيش، وتركز على جانب التقنية والتكنولوجيا، بما يشمل مركز الملك عبدالله الثاني للتصميم، الذي ينتج الطائرات المسيرة والصواريخ والدروع والمصفحات، ويستفيد من برامج الذكاء الاصطناعي الحديثة.
ويضيف الرداد أن جانب قوات الاحتياط في الاستراتيجية يستحق التركيز، مشيرا إلى أن فكر الاحتياط في الجيوش الحديثة هو فكر الجيوش الرديفة، حيث تكون وحدات الاحتياط مدربة وجاهزة تماما عند استدعائها، مع تحديد مواقعها ومهامها وأساليب عملها بشكل دقيق، بحيث يمكن تعبئتها خلال ساعات قليلة دون الحاجة إلى تأجيل أو تخطيط طويل، ويتطلب ذلك برامج تدريب واتصال مستمرة حتى في أوقات السلم.
وحول كيفية خدمة هذا التحول لموقع الأردن الاستراتيجي، يوضح الرداد أن الأردن يمتلك جانبين مهمين الأول هو حكمة القيادة السياسية، التي تتسم بالاعتدال والتوازن وعدم الانفعال، والثاني هو المؤسسة العسكرية والأمنية الأردنية العريقة، التي تشكل العمود الفقري للأمن الوطني منذ تأسيس المملكة عام 1946، مضيفا أن الشعب الأردني يشكل الخط الدفاعي الثاني، مما يعزز قدرة الأردن على مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة.
دلالات استراتيجية ورسائل للداخل والخارج
من جانبه كتب السياسي والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع الدكتور محمد أبو رمان تحمل الرسالة التي بعثها الملك عبدالله الثاني، إلى رئيس هيئة أركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، اللواء يوسف الحنيطي، دلالات مهمة واستراتيجية على أكثر من صعيد، وتتضمن رسائل إلى الداخل والخارج على السواء.
ويشير أبو رمان إلى أن الرسالة دعت إلى بناء استراتيجية لتحديث القوات المسلحة الأردنية ولتكون على درجة عالية من المرونة والرشاقة، والكفاءة القتالية، وتطوير المجالات المتعلقة بأنظمة العمليات الدفاعية والهجومية السيبرانية وتعزيز قوات الاحتياط في الجيش، وإشراك مراكز الأبحاث والدراسات والصناعات العسكرية الدفاعية في عملية تحديث القوات المسلحة.
ويضيف أن هذا التوجه الاستراتيجيي، العسكري والأمني، يستند إلى سببين رئيسيين، يرتبطان بالضرورة بالسياقات الجديدة في النظام العالمي وفي المنطقة وفي الدروس المستفادة من الحروب الإخيرة في المنطقة، بخاصة بعد هجوم 7 اكتوبر 2023، ثم الحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها الإقليمية ومنها حرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران، يرتبط بالضرورة بالتغير في طبيعة الحروب الحروب العسكرية اليوم، وهو ما ظهر بصورة جلية في الحروب الأخيرة، بالأخص التزايد الكبير في دور المسيّرات والتكنولولجيا الجديدة في الحروب، والأكثر أهمية التحول والتطوّر الكبير في مجال الذكاء الاصطناعي وانعكاساته على عملية الاختراقات الأمنية والتجسس.
ويعتبر أن الأخطر من ذلك كله الحروب السيكولوجية والمعنوية والقدرة على التلاعب بعواطف الشعوب وأفكارها واستثمار الخوارزميات والحروب السيبرانية بصورة متزايدة أكثر من أيّ وقت مضى، ما يعني أن الحرب على غزة وما بعدها هي بمثابة جيل جديدة وعصر مختلف من الحروب ذات الطابع الهجين، الذي يجمع كل الأبعاد العلمية والبحثية والتكنولوجية والأمنية والعسكرية والأليات التقليدية والروبوتات وحروب العصابات والمسيّرات التي أصبحت جزءاً أساسياً وفتاكا في الحروب، كما ظهر ايضاً في الحروب الأخرى في السودان والحرب الروسية الأوكرانية.
ويؤكد أن هذه الأفكار لطالما كانت مصدر اهتمام كبير للملك، وسبق أن تناولها مبكرًا في كتابه فرصتنا الأخيرة: السعي نحو السلام في زمن الخطر، لكنها اليوم باتت أولوية وطنية قصوى وشرطًا رئيسًا لحماية الأمن الوطني وتطوير قدرة الدولة على التعامل مع التحديات العسكرية والأمنية الجديدة.
أما السبب الثاني، بحسب أبو رمان، فيكمن في التحولات الاستراتيجية الكبرى المحيطة بالأردن، سواء على مستوى النظام الدولي الذي يمر بمرحلة انتقالية من أحادية القطبية إلى تعددية الأقطاب، أو على مستوى الإقليم الذي يشهد أزمات بنيوية طويلة الأمد. ويشير إلى أن هذه المرحلة الانتقالية العنيفة تجعل الدول الصغيرة أكثر عرضة للتداعيات، ما يفرض عليها تحصين أمنها القومي والاستعداد لسيناريوهات أكثر خطورة وعدم استقرار.
ويخلص أبو رمان إلى أن التوجه الاستراتيجي الجديد يعكس قناعة لدى الملك بأن السياقات القادمة لن تحمل عوامل استقرار أو هدوء، بل مرحلة عاصفة وخطيرة تتطلب عملية تحول “بنيوي” في القوات المسلحة، كما ورد في الفقرة المفتاحية من الرسالة الملكية التي شددت على إعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق واضحة لتحقيق هذا التحول خلال ثلاث سنوات، لمواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية والتغيرات المتسارعة واتساع بيئة العمليات.
هذا وأكدت الرسالة الملكية على أهمية تحديث أنظمة الدفاع والهجوم السيبرانية، وتعزيز قوات الاحتياط، وإشراك مراكز الأبحاث والدراسات العسكرية في تحديث الجيش.
كما أكدت الرسالة الجوابية لرئيس هيئة الأركان على الالتزام الكامل بتنفيذ كل المحاور التقنية والاستراتيجية بشكل متكامل، بما يعزز جاهزية الجيش الأردني ليكون في مصاف الجيوش الحديثة عالمياً.












































