تقليص خدمات الأونروا في الأردن: تداعيات اجتماعية واقتصادية في ظل أبعاد سياسية
في ظل الجدل المتصاعد حول قرارات تقليص خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، وما يتداول عن بدء تنفيذها فعليا، تزداد التخوفات حول انعكاس هذه القرارات على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين والموظفين العاملين في الوكالة داخل الأردن، خاصة في القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة.
وبحسب القرار الذي دخل حيز التنفيذ اعتبارا من صباح اليوم الأحد، سيتم تخفيض ساعات الدوام الأسبوعية من 37.5 ساعة إلى 30 ساعة، الأمر الذي سينعكس على رواتب الموظفين المشمولين بالقرار بنسبة تصل إلى 20%، وغالبيتهم من العاملين في قطاع التعليم.
ورغم تبرير الوكالة بأن القرار يأتي بسبب العجز المالي، إلا أن العاملين يؤكدون أن الأونروا واجهت أزمات مالية متكررة على مدار أكثر من 12 عاما، دون اللجوء سابقا إلى إجراءات تمس حقوق الموظفين بهذا الشكل.
تقديرات الأونروا في الأردن تشير إلى أن الوكالة توظف نحو 7 آلاف موظف، تشكل رواتبهم وإنفاقهم ركيزة مهمة في الاقتصاد المحلي، خصوصا داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية.
كما تقدر الميزانية التشغيلية السنوية لعمليات الأونروا في الأردن بنحو 145 مليون دولار، تخصص لقطاعات التعليم والصحة وبرامج الحماية الاجتماعية.
آثار القرار لن تكون فورية
يؤكد رئيس الجمعية الأردنية للعودة واللاجئين ورئيس اتحاد العاملين في وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين "الأونروا" سابقا، كاظم عايش، أن القرار الأخير بتقليص خدمات الوكالة، على الرغم من دخوله حيز التنفيذ اليوم الأحد، لن تظهر آثاره المباشرة فورا، بل قد يستغرق شهرا على الأقل حتى ينعكس على الخدمات، مضيفا أن التنفيذ سيبدأ حتما اعتبارا من تاريخ القرار.
ويوضح عايش أن وكالة الأونروا تبرر هذا القرار بوجود عجز مالي، إلا أن هذا العجز يعتبر مزمنا، إذ لم يمر عام على إعلان الوكالة عن عجز مالي سابق،مشيرا إلى أن هذه المرة، يبلغ العجز المعلن حوالي 500 مليون دولار، بينما سبق أن تجاوز 600 مليون دولار خلال فترة توقف الدعم الأمريكي في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.
وكانت واجهت الوكالة عجزا حادا في الميزانية تزامن مع توقف الدعم الأمريكي أثناء إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب خلال ولايته الأولى من 2017 إلى 2021، حين قطعت واشنطن تمويلها عن الأونروا، مما أدى إلى أزمة مالية كبيرة واضطرار الوكالة للبحث عن بدائل تمويلية لإبقاء خدماتها الأساسية قائمة.
وفي ذلك الوقت، تمكن المفوض العام للأونروا من تجاوز الأزمة دون اللجوء إلى إجراءات تعسفية ضد الموظفين، مثل فصلهم أو تخفيض رواتبهم، فيما تُعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها اتخاذ مثل هذه الخطوات، بحسب عايش.
ويشير إلى أن هذه القرارات ستؤثر مباشرة على الخدمات الأساسية التي تقدمها الوكالة، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، مؤكدا أن مستوى الأداء في هذه الخدمات سيتراجع، مما سيخلق بيئة طاردة للاجئين، مضيفا أن اللاجئين داخل المخيمات قد لا يجدون خيارات بديلة، أما خارج المخيمات فهناك مؤسسات تقدم خدمات تعليمية وصحية، ولكن هذه البدائل قد تتأثر أيضا إذا أصبحت البيئة طاردة.
وبحسب إحصاءات الأونروا، يعيش اللاجئون الفلسطينيون في الأردن داخل أكثر من 10 مخيمات رسمية موزعة على مختلف مناطق المملكة، إلى جانب تجمعات كبيرة في المدن.
كما تدير الوكالة نحو 161 مدرسة تغطي مراحل التعليم الأساسي، وتخدم ما بين 107 آلاف و121 ألف طالب فلسطيني، تعمل غالبيتها بنظام الفترتين نتيجة الاكتظاظ، وتشكل عنصرا أساسيا في منظومة التعليم الخاصة باللاجئين.
وفي القطاع الصحي، تدير الأونروا قرابة 25 مركزا وعيادة صحية أولية، تقدم أكثر من 1.6 مليون زيارة طبية سنويا، تشمل خدمات الرعاية الصحية الأساسية، مثل تطعيم الأطفال، ومتابعة صحة الأم والطفل، والفحوص الدورية، إضافة إلى إحالات محدودة للعلاج المتقدم.
قرار سياسي بغطاء مالي
وحول إمكانية وجود ضغوط قانونية أو دولية لتخفيف هذه الإجراءات، يبين عايش أن هناك حراكا من دول اللجنة الاستشارية للأونروا، التي تضم نحو 27 دولة، بالإضافة إلى الدول المستضيفة للاجئين، التي تعارض هذه القرارات لما لها من تأثير مباشر على أوضاع اللاجئين في الأردن ولبنان وسوريا، مؤكدا أن مواقف هذه الدول داعمة للاجئين ومعارضة للقرار.
ويؤكد أن القرار يتسم بالطابع السياسي وليس المالي، موضحا أنه تم اتخاذه بشكل فردي دون التشاور مع المفوض العام للأمم المتحدة، أو اللجنة الاستشارية، أو ممثلي العاملين، وهو الأسلوب الأول من نوعه في التعامل مع قرارات بهذا المستوى والخطورة.
وحذر من أن هذا القرار يعد الأخطر في تاريخ الوكالة، وقد يمهد لتقليص دورها وانسحابها التدريجي من الميدان، معتبرا أن الهدف السياسي الكامن خلفه هو استهداف قضية حق العودة للاجئين الفلسطينيين، المرتبطة بقراري الأمم المتحدة 194 و302، وهو ما يتقاطع مع محاولات دولة الاحتلال لإنهاء دور الأونروا كشاهد دولي على حقوق اللاجئين.
ونفى عايش صحة الاتهامات السابقة التي وجهت للأونروا بدعم الإرهاب، مؤكدا أنها لم تستند إلى أي أدلة، وكانت جزءا من حملات سياسية لتشويه صورة الوكالة وتقويض دورها.
ووجه عايش رسالة للحكومات والمجتمع الدولي، داعيا الدول الـ159 التي صوتت لصالح ولاية جديدة للأونروا حتى عام 2029 إلى تحمل مسؤولياتها وتغطية العجز المالي للوكالة، معتبرا أن المبلغ المطلوب لتغطية العجز ليس كبيرا ويمكن جمعه بسهولة إذا تحركت الدول المانحة والدول المستضيفة للاجئين سياسيا وماليا.
هذا وأعربت دائرة شؤون اللاجئين واللجان الشعبية في الوطن والشتات عن رفضها التام لقرارات الأونروا المتعلقة بتقليص الموظفين وتخفيض الرواتب وساعات العمل، واعتبرتها خطوات متسقة مع ما وصفته بمخططات تصفية وتفكيك المخيمات وتفريغ الوكالة من صلاحياتها لصالح منظمات أو جهات أخرى، مؤكدة أن ذلك يتعارض مع التفويض الأممي الممنوح للأونروا وفق قرار الجمعية العامة رقم 302، وأن هناك إدراكا بأن هناك هجمات سياسية تستهدف المؤسسة وتؤثر على قدرتها على العمل، وليس مجرد أزمة مالية فقط.
كما شهدت الساحة الفلسطينية ولبنان تنديدا واسعا بخطط تقليص خدمات الأونروا، حيث وصفت أوساط فلسطينية هذه الإجراءات بأنها مسار يمكن أن يسهم في تقويض الحقوق التاريخية للاجئين وتصفية القضية، وهو حديث يعكس مخاوف من أن القرار لا يقتصر على الأبعاد المالية، بل له تبعات سياسية تؤثر في مستقبل عمل الوكالة وقضية اللاجئين.











































