تعديل قانون التنفيذ الشرعي... هل المراقبة الإلكترونية تحمي حقوق النساء والأطفال؟
"هذا الخبر نزل علي كالصاعقة "، بهذه الكلمات تبدأ السيدة روان أم لفتاتين، حديثها عن التعديل الجديد لقانون التنفيذ الشرعي لسنة 2025، الذي يقترح استخدام المراقبة الإلكترونية كبديل عن الحبس في حالات ممتنعي النفقة.
بالنسبة لروان، ولآلاف النساء المستفيدات من النفقة، ويواجهن ذات الظروف هذا القرار ليس مجرد نص قانوني، بل قضية حياة لتأمين أطفالهم وحقوقهم الأساسية.
تروي روان كيف توقف زوجها عن دفع النفقة، وانتظرت طويلا أي قرار يضمن حقوقها وحقوق أطفالها، لكن حتى الآن لم يحدث أي تغيير ملموس، مضيفة "كنت أترقب القرار على أمل أن يضمن لنا حياة كريمة، لكن الواقع المؤلم أن الأطفال ظلوا بدون دعم مالي لفترات طويلة، ومعاناتهم اليومية مستمرة".
وتشير إلى أن المراقبة الإلكترونية، رغم أنها تبدو حلا قانونيا بديلا، لكن لن توفر الردع الكافي لمن يمتنع عن الدفع، موضحة أن الأسوارة تراقب فقط، لكنها لا تلزم بالدفع، وهذا يعني أن الأطفال سيبقون فترة من دون نفقة، وستستمر معاناتهم المالية، وكأن القانون وضع لنا حدودا شكلية فقط.
تعاني روان أيضا من صعوبات شخصية وقانونية إضافية، موضحة بأنها كمطلقة، أنا من أتحمل عبء التبليغ ورسوم المحكمة والمصاريف كلها، ومع ذلك يبقى حق الأطفال غير مضمون، مضيفة أن طوال هذه السنوات، كنت أحاول تأمين تعليم ابنتي واحتياجاتها الصحية، لكن التعاون من والدها شبه معدوم.
وفقا لقانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019، نصت المواد 59-71 على أن النفقة واجبة على الزوج فور إبرام عقد الزواج الصحيح، وبموجب المادة 59 الفقرة (أ)، يُلزم الزوج بدفع النفقة حتى ولو كانت الزوجة موسرة.
وينظم القانون آلية احتساب النفقة للزوجة والأولاد، حيث تعتمد بشكل أساسي على الحالة المادية للزوج، سواء كان ميسورا أو معسرا، ومستوى المعيشة المعتاد،وتشمل النفقة وفق القانون المأكل، الملبس، السكن، العلاج، والتعليم بالنسبة للأطفال.
كما يشمل القانون نفقة التعليم للأطفال حتى مرحلة الشهادة الجامعية، ويحق للقاضي تحديد النفقة وفق حالة الأب المادية، ويصبح مبلغ النفقة دينا مستحقا على الزوج في حال امتناعه عن الدفع أو إعساره.
وتشير التقديرات العملية إلى أن متوسط النفقة الشهرية للزوجة قد يصل إلى نحو 81 دينارا، وللأطفال ما بين 45 و80 دينارا، إضافة إلى نفقات أخرى حسب الظروف العائلية.
التعديل الجديد: المراقبة الإلكترونية كبديل مؤقت
أقرت اللجنة القانونية النيابية مؤخرا مشروع قانون معدل لقانون التنفيذ الشرعي لسنة 2025، بعد إدخال التعديلات اللازمة واستئناس آراء الجهات ذات العلاقة، ويقضي التعديل بمنح المحكوم عليهم بالنفقات الأسرية مهلة محددة للسداد تحت الرقابة الإلكترونية كبديل مؤقت عن الحبس، مع الإبقاء على إمكانية الحبس في حال استمرار التخلف عن الدفع.
ويتيح التعديل لرئيس التنفيذ الشرعي إمكانية تطبيق الرقابة الإلكترونية على المدين، سواء قبل اتخاذ قرار الحبس أو بعده، على أن تحدد الشروط في نظام لاحق.
تنص المادة (13) من قانون التنفيذ الشرعي، قبل تعديلها على السماح بحبس المدين في ديون النفقة والمهر عند عدم السداد أو عدم تقديم تسوية مناسبة، مع تحديد مدد الحبس بما لا يتجاوز 120 يوماً في السنة.
وبموجب التعديل الجديد، تم إدخال المراقبة الإلكترونية كبديل عن الحبس، حيث منح رئيس التنفيذ صلاحية استبدال الحبس بهذا الإجراء متى توفرت المبررات، مع إمكانية منح المدين فرصة إضافية واحدة خلال السنة لاعتماد هذا البديل.
ويأتي هذا التعديل ضمن أهداف المشروع لتبسيط إجراءات تنفيذ الأحكام الشرعية، وتسريع وصول الحقوق إلى المستحقين، وتقليل اللجوء إلى الحبس، ومنح المدين فرصة للعمل والكسب للوفاء بالتزاماته.
النائب بيان فخري المحسيري، عضو اللجنة القانونية، توضح في تصريحات سابقة أن القانون أبقى على حكم حبس المدين في قضايا النفقة وعدم إلغائه كليا أو استبداله بعقوبات بديلة كاملة، كما تم تحديد أن القاضي يمكنه تأجيل الحبس لفترة لا تتجاوز 60 يوما، ولمرتين فقط، لتوفير مهلة للمدين لتسديد النفقة تحت الرقابة الإلكترونية.
وزير العدل بسام التلهوني في تصريحات له خلال أولى جلسات اللجنة القانونية، يؤكد أن تجربة الرقابة الإلكترونية قابلة للتطبيق عمليا، خاصة بعد نجاح استخدامها في القضايا الجزائية، مشيرا إلى أن النص الجديد مُنضبط ولا يمس حقوق الدائنين، بل يهدف إلى التسهيل وإتاحة الفرصة للمحكوم عليه للوفاء بالتزاماته".
الانتقادات القانونية والاجتماعية
رئيسة جمعية دعم لتمكين المرأة المحامية مرام مغالسة، ترى أن المشروع جاء عاما ولم يتضمن منظومة متكاملة لتحفيز المدين على الوفاء بالتزاماته المالية، مؤكدة أن النص ركز على خيار واحد فقط، ولم يشمل آليات داعمة مثل برامج الإصلاح الأسري أو التأهيل لضمان تحصيل النفقة.
وتشير مغالسة إلى أن المستحقين يتحملون عبءا كبيرا عند رفع القضايا، مرورا بمراحل التقاضي والتنفيذ، مع أعباء الإثبات والرسوم والمصاريف، بينما يمكن للمدين طلب التسوية أو التقسيط، مما يمنحه فترة طويلة لتأجيل الدفع، بينما الأطفال يعيشون في معاناة يومية.
وتوضح أن الأسوارة الإلكترونية مصممة لمراقبة الجاني، لكن المحكوم عليه بالنفقة ليس مجرما، بل رب أسرة مسؤول عن رعاية أطفاله، والأسوارة لن تضمن الدفع ولن تحمي الأطفال من الحرمان.
ينص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، مع التركيز على أن النفقة تشمل الاحتياجات الأساسية للمعالين من غير القادرين على الكسب، مثل المأكل والمشرب والعلاج، مما يجعلها ضرورة للبقاء على قيد الحياة.
مغالسة تؤكد أن القانون الحالي لم يتم طرحه بالشكل الأمثل على مؤسسات المجتمع المدني أو الجهات القانونية المعنية، وأن النصوص لا تضمن وصول النفقة بشكل فعال للمستحقين، ولا تغطي بدائل مثل الصندوق الخاص بالنفقة، مما يضع العبء الأكبر على النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.
الحبس آخر حل
من جانبه يوضح القاضي منصور الطوالبة في المحكمة العليا ومدير المكتب الفني في دائرة قاضي القضاة في تصريحات له أن فلسفة التعديل تقوم على اعتبار الحبس آخر حل، بعد استنفاد كل البدائل المتاحة، بدءا من التنفيذ على الأموال الظاهرة للمدين، مرورا بمنحه فرصة للعمل والكسب، قبل اللجوء إلى السجن.
ويؤكد الطوالبة أن الهدف هو حماية حقوق المستحقين، خصوصا في قضايا النفقة، وضمان توازن العدالة بين حق الدائن وحقوق المدين، مع الحفاظ على كرامة الشخص المحكوم عليه.
وبحسب الطوالبة فإن التعديلات الجديدة تشمل عدة نقاط جوهرية، إدخال المراقبة الإلكترونية يمكن تطبيقها قبل صدور قرار الحبس أو بعده، شرط أن تكون بناء على طلب المحكوم عليه، وبقرار من القاضي إذا وجد وجود مصلحة، المدة المقررة عن الدين الواحد هي 60 يوما قابلة للتجديد مرة واحدة في السنة، مع عدم التأثير على عدد أيام الحبس المقررة بالقانون.
تسريع إيصال الحقوق المالية وحماية الأسرة
يشمل القانون الجديد إجراءات لضمان التنفيذ على الأموال الموجودة لدى الغير قبل اللجوء إلى الحبس، مما يعزز حق المستحقين في النفقة والحقوق المالية الأخرى، كما يضمن القانون حماية المدين، عبر منحه فرصة للوفاء بالتزاماته خلال فترة المراقبة الإلكترونية، بما يسمح له بالعمل والكسب دون المساس بحقوق المستحقين.
ويؤكد القاضي أن جميع الأحكام في القانون الجديد مستمدة من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بما يضمن حماية حقوق الزوجة والأبناء، حتى في حالة عدم قدرة الزوج أو عدم وجوده، مع إمكانية إحالة الحقوق إلى مؤسسات الدولة لضمان استمرارية النفقة.
ويشير إلى أن التعديلات تمثل خطوة متقدمة نحو تحقيق توازن حقيقي بين حق الدائن وحقوق المدين، مؤكدا أن الحبس في حد ذاته ليس غاية المشرع، بل وسيلة لضمان الإفصاح عن الأموال والوفاء بالالتزامات المالية، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف ويحد من اللجوء إلى السجن كحل أولي.
هذا وبحسب دائرة قاضي القضاة ستتم صياغة نظام تفصيلي لتطبيق المراقبة الإلكترونية، يحدد شروط وضوابط هذه الآلية، ومسؤوليات القاضي في اتخاذ القرار، مع إتاحة الطعن على القرارات أمام محكمة الاستئناف لكل من المحكوم له والمحكوم عليه.











































