إسقاط الحق الشخصي في الجرائم الأسرية.. هل يعيق العدالة؟
لم تكن جريمة مقتل المحامية الشابة زينة المجالي على يد شقيقها مجرد حادثة عائلية مأساوية، بل تحولت إلى قضية رأي عام أعادت فتح النقاش الواسع عبر منصات التواصل الاجتماعي حول ثغرات قانون العقوبات، ولا سيما ما يتعلق بإسقاط الحق الشخصي في جرائم القتل العمد والجرائم المرتكبة داخل الأسرة.
وتصاعدت المطالبات بإجراء إصلاحات تشريعية تضمن عدم إفلات الجناة من العقاب الكامل، وتعزيز منظومة حماية الضحايا، بما يحقق العدالة ويحد من تكرار هذا النوع من الجرائم.
كشفت جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن"، في تقريرها السنوي لرصد الجرائم المرتبطة بالإطار الأسري خلال عام 2025، عن مفارقة مقلقة، إذ رغم التراجع العددي في الجرائم المسجلة مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن أنماط القتل اتسمت بـ "قسوة وحشية" وعنف جسدي مباشر، استهدف بشكل رئيسي النساء والفتيات والأطفال.
وبين التقرير أن المملكة شهدت خلال العام الماضي 17 واقعة قتل ووفاة داخل الإطار الأسري، أسفرت عن سقوط 20 ضحية، كان النصيب الأكبر منهم للإناث بواقع 13 ضحية، مقابل 7 ذكور.
وتنوعت هذه الحوادث بين جرائم قتل صريحة، وحالات قيد الاشتباه، ووفيات غير محسومة، إضافة إلى حوادث عرضية داخل المنازل.
أنماط العنف مستمرة
تقول المديرة التنفيذية لجمعية معهد تضامن أنعام العشا في حديثها لـ "عمان نت"، إن ملف العنف الأسري في الأردن شهد خلال عام 2025 استمرارا لنفس الأنماط العنيفة السابقة، مع تصاعد وتيرة الجرائم في بعض الحالات، مشيرة إلى أن الجرائم غالبا ما تقع على يد أفراد الأسرة أنفسهم.
وتوضح العشا أن النساء والأطفال يمثلون الفئات الأكثر تعرضا للعنف الأسري، مع تسجيل حالات مركبة تشمل عدة ضحايا في الجريمة الواحدة، كما حدث في بعض الجرائم التي راقبتها الجمعية خلال العام، مضيفة أن أسلوب العنف في معظم هذه الجرائم يكون مباشرا وقاسيا، مشيرة إلى حادثة مقتل المحامية زين المجالي على يد شقيقها، والتي تعكس طبيعة الجرائم الأسرية من مسافة صفر، أي وقوعها تحت سقف واحد وبشكل مفاجئ.
كما أن هناك عدة عوامل تساهم في وقوع هذه الجرائم، بحسب العشا، مثل الاعتلال النفسي أو تعاطي المخدرات، فضلا عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدة أن كل حالة لها خلفياتها الخاصة، مؤكدة أن منظومة الحماية ما تزال تواجه ثغرات، أهمها ضعف برامج إعادة التأهيل والافتقار لآليات فعالة لمعالجة الاعتلال النفسي أو التوترات الأسرية، بالإضافة إلى حاجتها لتعزيز وعي المجتمع والمجتمع الأسري بالمخاطر المحيطة.
وتشير إلى أن القوانين شهدت تحسنا ملحوظا في السنوات الأخيرة من حيث الأحكام على الجرائم الأسرية، لكنها شددت على أن القانون وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بتنفيذ فعال وإجراءات وقائية مبكرة، داعية العشا الى تعزيز آليات الحماية المبكرة للنساء والأطفال، لتقليل وقوع مثل هذه الجرائم في المستقبل.
دعوات لإلغاء "إسقاط الحق الشخصي "
مقارنة بالسنوات السابقة وبالمقارنة الرقمية بحسب تقرير تضامن، شهد عام 2023 وقوع 27 جريمة 25 ضحية، بينما سجل عام 2024 نحو 25 جريمة أسفرت عن 32 ضحية.
ورغم انخفاض الرقم في 2025 إلى 17 واقعة 20 ضحية، تؤكد "تضامن" أن هذا لا يعني تراجعا حقيقيا في خطورة الظاهرة، حيث ما زالت الجذور قائمة والأساليب أكثر عنفا.
وحذرت "تضامن" في تقريرها من أن هذه الجرائم تعكس خللا بنيويا في منظومات الحماية، داعية إلى إعادة النظر في "إسقاط الحق الشخصي" في قضايا العنف الأسري لمنع الإفلات من العقاب، وضرورة تعزيز أدوات الحماية المبكرة للنساء والأطفال.
من جانبه يوضح المحامي والقانوني الدكتور صخر الخصاونة أن المشرع حدد الحالات التي يجوز فيها تحريك الشكوى بناءً على شكوى من المتضرر، وهي حالات إذا تم فيها إسقاط الحق الشخصي فإن الشكوى تسقط معها. إلا أن الحديث اليوم يدور حول جريمة القتل، وهي جناية، وكذلك عن الجرائم التي تُحرَّك فيها دعوى الحق العام من قبل النيابة العامة مباشرة دون الحاجة إلى تقديم شكوى. ويؤكد أن صاحب الصلاحية في تكييف هذه الجرائم هو المحكمة، وهي الجهة التي تصدر الحكم فيها.
وبين الخصاونة أن إسقاط الحق الشخصي في جرائم القتل يعد سببا من الأسباب المخففة التقديرية التي يملك القاضي الأخذ بها، لكنه لا يعني الإفلات من العقوبة، ويقارن ذلك بجرائم الذم والقدح أو إساءة الأمانة، حيث إن إسقاط الحق الشخصي فيها يؤدي إلى إسقاط الجرم ذاته، لأن الملاحقة في هذه القضايا تتوقف على تقديم شكوى، أما في الجنايات ومنها جرائم القتل، فإن إسقاط الحق الشخصي لا يسقط الجريمة، وإنما يعد ظرفا مخففا يعود تقديره للمحكمة التي قد تخفف العقوبة على ضوء ذلك، مع بقاء الفعل جريمة قائمة.
ويضيف أن إسقاط الحق الشخصي في جنايات القتل قد يؤدي أحياناً إلى تخفيف العقوبة من الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وإذا كانت العقوبة المقررة عشرين عاما فقد تخفف إلى عشر سنوات، لكنه يشدد على أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال إفلات الجاني من العقوبة، بخلاف الجرائم التي تتوقف فيها الملاحقة على الشكوى مثل جرائم الذم والقدح وإساءة الأمانة.
وحول الفرق بين الحق العام والحق الشخصي وأثر كل منهما على العقوبة، يوضح الخصاونة أن تحريك دعوى الحق العام يكون دائما من اختصاص النيابة العامة، باعتباره حقا للدولة في معاقبة الجاني لتحقيق الردع العام. ويشير إلى أن هناك بعض الجرائم التي نص عليها المشرّع على سبيل الحصر، وهي جرائم ذات أثر محدود على المجتمع وتتعلق أساساً بحق الفرد، مثل الإيذاء البسيط والذم والقدح وإساءة الأمانة والجرائم الواقعة على الحياة الخاصة. ففي هذه القضايا لا بد من تقديم شكوى وإدعاء بالحق الشخصي لتحريك الدعوى، ويكون المشتكي هو صاحب المبادرة فيها. أما في باقي الجنح التي تزيد عقوبتها على حد معين، إضافة إلى الجنايات، فإن دعوى الحق العام تُحرّك مباشرة من قبل النيابة العامة، باعتبار أن الحق العام هو حق الدولة في توقيع العقوبة على الجاني.
من يملك التنازل داخل العائلة؟
وحول من يملك التنازل عن الحق الشخصي داخل العائلة، يوضح الخصاونة أن الجرائم التي تدخل ضمن إطار العنف الأسري يكون فيها الأب هو الولي الشرعي، وبالتالي يملك حق التنازل في بعض الحالات.
وفي جرائم أخرى يجب أن يتنازل جميع الورثة الشرعيين عن الحق الشخصي وفق حجة حصر الإرث. وفي جرائم القتل تحديد، لا بد عادة من تنازل جميع الورثة الشرعيين حتى يتم إسقاط الحق الشخصي.
أما في الجرائم الواقعة بين الأصول والفروع، مثل بعض قضايا القتل داخل الأسرة، فيكفي تنازل الأب بصفته الولي الشرعي للمجني عليه. ويؤكد أن القاعدة هي إذا كانت الجريمة داخل العائلة فالورثة الشرعيون هم من يملكون الحق الشخصي، وإذا كانت بين الأصول والفروع فالولي الشرعي هو صاحب هذا الحق.
وحول كيفية ضمان العائلة لوقوع العقوبة رغم وجود الحق الشخصي، يوضح الخصاونة أنه بغض النظر عما إذا كانت الجريمة بين الأصول والفروع أو بين أطراف أخرى، فإنه بعد انتهاء مرحلة التحقيق من قبل النيابة العامة وإصدار قرار الاتهام، يمثل المتهم أمام محكمة الجنايات الكبرى أو المحكمة المختصة، وهناك تتم مناقشة جميع الأدلة، وتكون المحكمة هي صاحبة الصلاحية في تكييف الفعل الجرمي، وهل هو جريمة قتل عمد أم قتل خطأ، وهل توجد أسباب مخففة تقديرية أو أسباب أخرى تحول دون العقوبة، ثم تقوم بأخذ جميع هذه العوامل بعين الاعتبار وتوقيع العقوبة وفق أحكام قانون العقوبات.
ويضيف أنه لا يوجد دور مباشر للمشتكي في محاكم الجنايات، إذ إن الجهة التي تمثل الحق العام أمام محكمة الجنايات الكبرى هي النيابة العامة.
وفيما يتعلق بالمطالبات بتعديل أو إصلاح تشريعي حول إسقاط الحق الشخصي، يوضح الخصاونة أن الجرائم التي تتوقف فيها الملاحقة على شكوى ضمن إطار العنف الأسري هي جرائم الإيذاء البسيط والذم والقدح، وهي من الجرائم التي يمكن إجراء المصالحة فيها وبالتالي إسقاط الدعوى، ولكن من وجهة نظره الشخصية، ومن خلال خبرته واطلاعه، فإن إسقاط الحق الشخصي في هذه الجرائم الصغيرة يتيح للأسرة فرصة التصالح وعودة الأمور إلى نصابها ضمن إطار الأسرة.
أما فيما يتعلق بالجرائم الكبرى، فيؤكد الخصاونة أنه لا يتوقع أن تؤدي المصالحة فيها إلى إلغاء العقوبة، وإنما قد تؤدي فقط إلى تخفيفها، وأن العقوبة التي تفرض في هذه الحالات يجب أن تكون عقوبة قاسية ومقررة وفق أحكام القانون، بما يحقق العدالة والردع العام.
من جانبها، تؤكد وزارة العدل أن قانون العقوبات الأردني لا يجيز إسقاط جريمة القتل العمد حتى في حال تنازل ذوي المجني عليه عن الحق الشخصي، مشددة على أن الحق العام في هذه الجرائم يبقى قائما وتباشر النيابة العامة الملاحقة دون الحاجة إلى شكوى.
وتوضح الوزارة أن إسقاط الحق الشخصي يعد من الأسباب المخففة التقديرية التي تترك للمحكمة سلطة الأخذ بها من عدمه، وفق ظروف كل قضية، مؤكدة أن أي تعديل تشريعي يجب أن يوازن بين تحقيق العدالة الجنائية والحفاظ على السلم المجتمعي.











































