بين "شارع الموت" ومواصفات السلامة.. الأشغال ترد على مطالب أهالي رحاب بخطة تدخل عاجلة
في غضون أيام قليلة، تحولت رحلة العبور اليومية على الطريق الواصل بين جرش والزرقاء والمفرق إلى كابوس مفتوح على الفقدان، وذلك بعد أن أزهق ستة أرواح خلال ثلاثة أيام فقط، في حوادث متتالية وصادمة، تاركة وراءها عائلات مفجوعة وقصصا موجعة عن شباب في ريعان العمر لم يعودوا إلى بيوتهم.
الأهالي في منطقة رحاب بمحافظة المفرق باتوا يطلقون على هذا الطريق اسم "شارع الموت"، بعد أن صار رمزا لنزيف الأرواح المستمر، وسط غياب أبسط متطلبات السلامة المرورية.
يشير التقرير التقرير السنوي للحوادث المرورية في الأردن لعام 2024 الصادر عن مديرية الأمن العام إلى أن الحوادث المرورية في الأردن ما تزال عند مستويات مرتفعة، على الرغم من الحملات التوعوية والتحسينات التي طالت البنية التحتية للطرق، مسجلا نحو 190,175 حادثا مروريا، أسفرت عن 543 حالة وفاة و18,275 إصابة بمختلف الدرجات.
وبحسب التقرير تعني هذه الأرقام وقوع حالة وفاة كل 16 ساعة تقريبا، وإصابة بشرية كل 30 دقيقة على الطرق، كما تعد الأخطار المرورية السبب الثانوي للوفاة بين فئة الشباب في سن العمل، في وقت تكبد فيه الاقتصاد الوطني خسائر تقدر بنحو 958 مليون دينار سنويا، أي ما يعادل 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي.

أهالي رحاب يروون المعاناة
ويروي حمزة الحراحشة أحد سكان منطقة رحاب، تفاصيل حادثة وقعت قبل أسبوع في حديثه لـ "عمان نت"، بقوله "إن السائق كان يقود بسرعة تقارب 160 إلى 170 كيلومترا في الساعة، أي ضعف السرعة المقررة تقريبا، حيث كنت موجودا في المكان، وشفت الحادث بعيني، وأنا اللي مسكت المرأة المصابة وحملناها بالإسعاف، مؤكدا أن في هذا المكان ما في دوريات شرطة نهائيا، ولا كاميرات، ولا مطبات، والشارع جديد ومغري للسرعة بصراحة".
الطريق الذي يبلغ طوله نحو 8 كيلومترات، يعد من الطرق الحيوية التي تشهد حركة مركبات كثيفة يوميا، لكنه يفتقر إلى الشواخص التحذيرية، وتحديد السرعات بشكل واضح، وكاميرات الرقابة المرورية، وفقا لسكان المنطقة، مؤكدين الأهالي أن هذا الإهمال جعل الطريق بيئة خصبة للحوادث القاتلة.
ويوضح أن الحوادث تتكرر في هذا الشارع تحديدا منذ إنشائه أو تجديده في شهر نيسان عام 2015، أي قبل نحو عشر سنوات، مضيفا أن الطريق معبد بشكل جيد، لكنه صراحة مغري للسرعة، خصوصا للسائقين المتهورين، السرعة المحددة من قبل الأشغال العامة هي 80 كيلومترا في الساعة، وهي سرعة ممتازة، لكن الناس تمشي أكثر من هيك".
ويصف واقع الطريق من حيث السلامة المرورية، بغياب الشواخص بالكامل، وكثرة الفتحات الالتفافية دون أي تنبيه، ووجود التفافات مخفية تشكل خطًا حقيقيا، مضيفا حتى جوانب الطريق من اليمين واليسار مرتفعة، ما في أرصفة، الراكب اللي بده يوقف يشير للباص أو يركب سيارة ما عنده مكان آمن يقف فيه، بده يوقف بنص الشارع.
ويوجه رسالة إلى المسؤولين، وتحديدا وزارة الأشغال العامة، مطالبا بوضع مطبات عند الفتحات الالتفافية، بقوله "مش طالبين كاميرات سرعة حتى ما يقولوا المواطنين بدهم كاميرات بس، ولكن على الأقل حطوا مطبات عند كل فتحة التفاف".
من جهته، يرى أحد سكان المنطقة الشيخ عيد العواد أن السبب الرئيسي وراء الحوادث المتكررة هو سوء تصميم الطريق والفتحات الالتفافية، مشيرا إلى أن الطريق جديد وممتاز من حيث التعبيد، لكنه مكتظ بالأحياء السكنية على الجانبين، والفتحات معمولة بشكل سيئ، لأنها بعيدة عن مداخل الأحياء، الناس المستعجلة تلجأ لمعاكسة السير، وهذا سبب رئيسي للحوادث.
ويضيف أن الشارع لم يعد طريقا فارغا كما كان في السابق، بل أصبح يخدم مناطق مأهولة وباتت عليه خدمات متعددة، من مولات ومحطة وقود ومخبز، مما يفرض بالضرورة تخفيض السرعة، موضحا أن الفتحات الحالية لا تتناسب مع مواقع الأحياء السكنية، موضحا "مدخل الرحاب الشرقي، واللي جايين من حي الرادار وحي الصبر وحي الشياح، لازم يمشوا قدام طريق المفرق حوالي 2.5 كيلومتر عشان يرجعوا يفوتوا على البلد، ما في مطبات، ولا شواخص، ولا أضواء تنبه الناس بوجود فتحات".
ويشير إلى أن عرض الشارع بحسب المخططات يبلغ 60 مترا، لكن المعبد فعليا لا يتجاوز نحو 20 مترا مع الجزيرة الوسطية، مما يستوجب توفير أكتاف للشارع وشواخص وفتحات التفافية تخدم الأحياء بشكل منطقي وآمن.
وحول الشكاوى والمطالبات للجهات المعنية، يؤكد العواد، وهو عضو سابق في المجلس المحلي لمركز أمن الرحاب، أنه تقدم بشكاوى متكررة، لكن الاستجابة كانت معدومة، موضحا بأنهم "طلعوا الأشغال وجابوا لجنة من السير والأشغال العامة، وقالوا ما بننصح نسوي فتحة"، وبالتالي الناس يا إما تعاكس 30 أو 40 متر، يا إما تمشي قدام طريق المفرق 2 أو 3 كيلومتر وترجع تفوت على البلد، أو ترجع من الجهة الجنوبية".
رد مديرية الأشغال العامة
وحول مطالب الأهالي وشكاواهم المتكررة بشأن خطورة الطريق في منطقة رحاب، توضح مديرية أشغال محافظة المفرق، بحسب مديرها إبراهيم الحماد، في حديثه لـ "عمان نت"، واقع الطريق من حيث معايير السلامة المرورية، بأن الطريق المنفذ يربط محافظات المفرق وجرش والزرقاء بطول إجمالي يبلغ نحو 30 كيلومترا.
وبين الحماد أن الجزء الأول من الطريق، بطول يقارب 15 كيلومترا، وهو الأكثر كثافة في الحركة المرورية باتجاه جسر رحاب، يتكون من أربعة مسارب مفصولة بجزيرة وسطية، ومسربين في كل اتجاه، ومزود بكامل وسائل السلامة المرورية، من إنارة وشواخص وعواكس أرضية وإشارات تنظيمية.
أما الجزء الآخر من الطريق، بطول مماثل تقريبا، فتخف فيه الحركة المرورية، ويتكون من مسربين، مسرب في كل اتجاه، وهو أيضا معزز بالإشارات المرورية اللازمة والتخطيط الأرضي والعواكس والإشارات التحذيرية والتنظيمية.

وحول الخطط السابقة أو الحالية لمعالجة خطورة الشارع، في ضوء ما يطرحه المواطنون من ملاحظات، يشير الحماد إلى أن الطريق أنشئ حديثا ضمن أعلى المواصفات الفنية والهندسية المطلوبة، مؤكدا أن الإشكالية لا تكمن في تصميم الطريق بحد ذاته، بل في السلوكيات المرورية الخاطئة، مثل السرعات الزائدة ومعاكسة السير والتجاوزات غير القانونية، والتي تقف بحسب قوله وراء غالبية الحوادث، مضيفا أن الطريق من حيث الإنشاء والمواصفات وضعه 100%، لكن التجاوزات هي التي تتسبب بالحوادث.
وفي ما يتعلق بالإجراءات العملية، يؤكد الحماد أنه تم عقد اجتماع مع محافظ المفرق لبحث هذا الملف بشكل شامل، حيث جرى الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن مديرية الأشغال وإدارة السير والبلدية، للخروج إلى الموقع ميدانيا وتقييم الوضع على أرض الواقع، وتحديد إمكانيات التدخل، سواء من خلال إنشاء مخففات سرعة كالمطبات النموذجية، أو تركيب كاميرات للمساعدة في ضبط السرعات الزائدة والحد من الحوادث.
وحول توقيت تنفيذ هذه الإجراءات، يطمأن الحماد المواطنين بأن التحسن سيكون ملموسا في القريب العاجل، موضحا أن الموازنات اللازمة قد تمت الموافقة عليها، مؤكدا بأنه إذا خلصت مخرجات اللجنة إلى ضرورة إنشاء مطبات، فسيتم تنفيذها خلال نحو شهرين من الآن، وستكون مطبات نموذجية وفق أسس هندسية سليمة، أما الكاميرات، فسيتم التنسيق مع الجهات المعنية لتركيبها في وقت قريب.
هذا وتؤكد مديرية أشغال محافظة المفرق أنها بصدد اتخاذ خطوات عملية لمعالجة المخاطر المرورية على الطريق، بالتوازي مع تحميل السائقين مسؤولية الالتزام بالسرعات المحددة وقواعد السير، للحد من تكرار الحوادث وحماية أرواح مستخدمي الطريق.












































