تصفية "الشاهد الأخير": كيف تحول العجز المالي إلى سلاح سياسي لهدم الأونروا؟

الرابط المختصر

 لا يمكن قراءة ما يحدث لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" اليوم بمعزل عن المخطط الإسرائيلي الاستراتيجي الذي يسعى بدأب، منذ سنوات، إلى تصفية الحساب مع الشاهد الأممي الوحيد على نكبة عام 1948. 

فالمعركة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي ضد الوكالة هي حرب وجودية تهدف في جوهرها إلى شطب "صفة اللاجئ" عن ملايين الفلسطينيين، ودفن "حق العودة" تحت ركام العجز المالي والتشويه السياسي.

يدرك الاحتلال الإسرائيلي تماماً أن بقاء الأونروا يعني بقاء القضية الفلسطينية حية في المحافل الدولية، ولذلك انتقلت من مرحلة التحريض الدبلوماسي إلى مرحلة التدمير الممنهج، سواء عبر القصف المباشر لمقرات الوكالة ومدارسها في غزة، أو عبر "اغتيال السمعة" لقطع شريان التمويل الدولي، بهدف تحويل القضية من ملف سياسي ملزم للعالم، إلى مجرد أزمة إنسانية تتكفل بها الدول المضيفة، وهو ما يمهد الطريق لتصفية قضية اللاجئين نهائياً.

هذه الحرب السياسية والعسكرية الشرسة التي تشنها حكومة الاحتلال، والتي نجحت في دفع دول مانحة لتعليق تمويلها تحت وطأة الاتهامات والضغوط، أينعت ثمارها السامة اليوم بشكل كارثي ترجمه المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني إلى واقع رقمي مؤلم. 

ففي ظل هذا الخنق المالي المتعمد، أعلنت الوكالة عن إجراءات تقشفية هي الأخطر في تاريخها، معلنة بدء مرحلة "إدارة الانهيار" بدلاً من إدارة الخدمات. وبحسب الإعلان الرسمي، سيبدأ اعتباراً من الأول من شباط/فبراير 2026 تطبيق تقليص قسري لساعات العمل الأسبوعية بنسبة 20 بالمئة، يرافقه خفض مماثل في الرواتب، في خطوة وصفتها الإدارة بأنها "الملاذ الأخير" لتجنب التسريح الجماعي للموظفين، وسط عجز مالي متوقع يبلغ 220 مليون دولار في موازنة عام 2026.

التفاصيل التقنية للقرار تعكس حجم المأساة التي وصل إليها "الملاذ الأخير" للاجئين، حيث سيتم تخفيض ساعات عمل الموظفين من 37.5 ساعة إلى 30 ساعة، ومن 42 ساعة إلى 33.6 ساعة أسبوعياً. 

هذا القرار لا يمس فقط جيوب الموظفين المحليين الذين يعانون أصلاً من ظروف معيشية قاسية، بل يضرب في الصميم جودة وكفاية الخدمات المقدمة في المخيمات، فالتقليص في الساعات يعني حكماً تقليصاً في الحصص التعليمية، وفي أوقات عمل العيادات، وفي قدرة الباحثين الاجتماعيين على متابعة الحالات الفقيرة. 

لقد تحولت الوكالة، بفعل هذا الضغط المالي الناجم عن الاستهداف السياسي، من مؤسسة تمنح الأمان الوظيفي والاجتماعي، إلى مؤسسة تصارع للبقاء، مما يهدد بتفكيك شبكة الأمان الاجتماعي الهشة التي تحمي المخيمات من الانفجار.

لم يتأخر صدى هذه القرارات في الوصول إلى الميدان، فقد تحول الخوف من المستقبل إلى غضب حيث نفذ العاملون في الوكالة، وتحديداً في الأردن، توقفاً عن العمل شل حركة العيادات والمراكز الصحية يوم الاثنين 19 كانون الثاني 2026. 

في المحصلة، يجد اللاجئ الفلسطيني نفسه اليوم أمام مشهد قاتم، حيث تتكامل الأدوار بين الاستهداف الإسرائيلي المباشر وبين العجز الدولي عن حماية الوكالة.

  تقليص الرواتب والخدمات ليس مجرد إجراء "محاسبي" لسد العجز، بل هو ترجمة عملية لسياسة "التجويع" التي تهدف لكسر إرادة الفلسطينيين وإجبارهم على القبول بأي حلول بديلة تنهي وضعهم كلاجئين. ومع دخول هذه الإجراءات حيز التنفيذ في شباط القادم، تكون الأونروا قد دخلت فعلياً في غرفة الإنعاش، وتكون قضية حق العودة قد تعرضت لطعنة نجلاء، لا يمكن مداواتها إلا بموقف عربي ودولي حازم يعيد للوكالة تمويلها واعتبارها، قبل فوات الأوان.