الخلود الرقمي: هل تُرمم روبوتات الموتى جراح الفقد أم تنبش في أحزاننا؟

الرابط المختصر

 
نشر موقع "ذا كونفرسيشن" تقريرا يسلط الضوء على تجربة إنشاء شخصيات افتراضية للموتى من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي للتعامل مع مشاعر الحزن الناتجة عن الموت.

ويرى الموقع ، أن الروبوتات التي تحاكي شخصيات الموتى تشكّل وسيلة لتضميد جراح الفقد لدى البعض، لكنها تفتح الباب أمام إشكاليات أخلاقية وقانونية معقّدة.

تجربة غير مألوفة

رورو (اسم مستعار)، هي صانعة محتوى في منتصف العشرينات من عمرها، وجدت نفسها بعد وفاة والدتها بالسرطان غارقة في حزن عميق، تفاقم بسبب العلاقة السابقة المعقّدة مع أمها، والتي اتسمت بمشاعر مكبوتة وتناقض دائم بين الرعاية والنقد.

ومع عجزها عن التصالح مع هذا الماضي بعد رحيل والدتها، لجأت إلى مشاركة تجربتها المؤلمة مع متابعيها عبر منصة "شياوهونغشو" الصينية.

اقرأ أيضا:

ماذا يحدث إذا صدمك ثقب أسود؟.. دراسة علمية تقدم الإجابة

وقد استرعى انتباه منصة الذكاء الاصطناعي "شينغاي"، ما دفعها إلى خوض تجربة غير مألوفة تمثلت في إنشاء نسخة رقمية من والدتها على هيئة روبوت محادثة، بعد توثيق محطات حياتها وتحديد ملامحها السلوكية.

وخلال هذه العملية، أعادت رورو صياغة علاقتها بوالدتها بصورة أكثر حناناً واحتواءً، الأمر الذي ساعدها على تجاوز الفقد، وأفضى إلى إطلاق روبوت "شيا"، الذي أتاح لمتابعيها التفاعل معه أيضاً.

وتؤكد رورو أن التجربة كانت بالغة الأثر في تعاملها مع الحزن، وأن دافعها لم يكن شخصياً فحسب، بل نابعاً من رغبة في تقديم عزاء قد يحتاجه الآخرون.

روبوتات الموتى

أشار الموقع إلى أن قصة رورو تعكس الآفاق الجديدة التي أتاحتها التكنولوجيا لمقاربة الحزن والتعامل معه عبر روبوتات الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن تدريب نماذج لغوية ضخمة باستخدام مواد شخصية، مثل الرسائل النصية والبريد الإلكتروني والملاحظات الصوتية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، لمحاكاة أسلوب الحديث الخاص بشخص متوفى.

وأوضح الموقع أن ما يُعرف بـ"روبوتات الموت" أو "روبوتات الحزن" تعد من أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي إثارةً للجدل، فبعضها يكتفي بالتفاعل النصي، بينما يذهب البعض الآخر إلى تمثيل الشخص المتوفى عبر صور رمزية مرئية. 

فعلى سبيل المثال، تطوّر شركة "يو أونلي فيرتشوال" الأمريكية المتخصصة في تقنيات الحزن روبوتات محادثة تعتمد على تفاعلات سابقة - مكتوبة وشفوية - بين المتوفى وأحد أقاربه أو أصدقائه، لتقديم نسخة تعكس كيف كان يظهر لذلك الشخص بالذات.

وحسب الموقع، هناك الكثير من الإشكاليات الأخلاقية التي تتعلق بمسألة الموافقة على إنشاء روبوتات الموتى: من يملك هذا الحق؟ وأين يجوز عرض الروبوت؟ وما الأثر الذي قد يتركه على بقية أفراد العائلة والأصدقاء؟

فهل رغبة أحد الأقارب في خلق رفيق رمزي يساعده على استيعاب الحزن تمنحه الحق في عرض هذا الروبوت علناً على وسائل التواصل الاجتماعي، بما قد يفاقم حزن الآخرين. وماذا يحدث حين يختلف أفراد العائلة حول ما إذا كان المتوفى يرغب أصلاً في "إحيائه" رقمياً.

وأكد الموقع أن الشركات المطوّرة لهذه الروبوتات لا تقدم خدمات محايدة في مجال التعامل مع الحزن، بل هي منصات تجارية تحكمها اعتبارات النمو والتفاعل وجمع البيانات، ما يخلق فجوة بين ما هو صحي نفسياً للمستخدمين وما هو مربح للشركات. 

وفي الصين على سبيل المثال، كانت منصة "شينغاي"، التي استخدمتها رورو لإنشاء روبوت والدتها، من بين الأسباب التي دفعت إدارة الفضاء السيبراني الصينية - وهي الجهة الرسمية المنظِّمة للمحتوى على الإنترنت - إلى اقتراح تشريعات جديدة تهدف إلى الحد من الأذى العاطفي المحتمل لما يُعرف بـ"خدمات الذكاء الاصطناعي التفاعلية الشبيهة بالبشر".

وأضاف الموقع أن بعض هذه الروبوتات تظل ثابتة عند صورة الشخص وقت وفاته، في حين يُمنح بعضها الآخر إمكانية "التطور" عبر التفاعل المستمر. 

ويرى جاستن هاريسون، الرئيس التنفيذي لشركة "يو أونلي فيرتشوال"، أن أي نسخة رقمية لا تستطيع مواكبة العصر والاستجابة للمعلومات الجديدة لا يمكن اعتبارها تمثيلاً أصيلاً للشخص الراحل.

أسئلة وإشكالات

غير أن هذا الطرح يثير -وفقا للموقع- تساؤلات جوهرية حول مدى إمكانية محاكاة تطور الشخصية بالتكنولوجيا الحالية، وحول التأثير النفسي العميق الذي قد يخلّفه التفاعل مع كيان افتراضي على المقربين من الشخص المتوفى.

وتقول الصحفية المقيمة في لندن لوتي هايتون، التي فقدت والديها بصورة مفاجئة عام 2022، أن محاولتها إعادة إنشائهما رقمياً كانت تجربة مربكة ومؤلمة، إذ رأت أن التكنولوجيا لم تنضج بعد بالقدر المطلوب، وأن محاكاتها القاصرة بدت وكأنها تُفرغ الذكريات الحقيقية من جوهرها.