وفاة عاملة في حادث داخل مصنع حلويات تجدد التأكيد على أهمية السلامة المهنية
حادثة وفاة عاملة داخل أحد مصانع تصنيع الحلويات في منطقة العبدلي، أمس الاثنين، تعيد فتح ملف واقع السلامة والصحة المهنية في المنشآت الصناعية، خاصة الصغيرة منها، وسط تساؤلات بشأن إجراءات الوقاية، والتدريب، ومدى الالتزام بتوفير بيئة عمل آمنة.
بحسب المعلومات الأولية، توفيت العاملة أثناء تأدية عملها نتيجة حادث وقع أثناء تشغيل آلة عجن صناعية، حيث باشرت الأجهزة المختصة التحقيق للوقوف على ملابسات الحادث وتحديد أسبابه، في وقت أعادت فيه هذه الفاجعة فتح ملف حوادث العمل في القطاع الصناعي.
إحصاءات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي تشير إلى استمرار تسجيل أعداد مرتفعة من إصابات العمل، رغم الجهود المبذولة للحد منها، حيث سجلت المؤسسة خلال عام 2023 نحو 15,223 إصابة عمل في مختلف القطاعات، بانخفاض نسبته 14.2% مقارنة بعام 2022 الذي شهد 17,746 إصابة.
وبحسب الأرقام، يعادل ذلك وقوع إصابة عمل كل 35 دقيقة خلال عام 2023، مقارنة بإصابة كل 30 دقيقة في عام 2022، فيما انخفض عدد الوفيات الناتجة عن إصابات العمل بنسبة 6.5%.
وبينت بيانات الضمان الاجتماعي أن القطاع الصناعي كان الأكثر تضررا، مسجلا 4,458 إصابة وبنسبة 34.7% من إجمالي الإصابات، تلاه قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 19.4%، ثم قطاع الفنادق والمطاعم بنسبة 11.1%.
السلامة المهنية.. مسألة حياة أو موت
في هذا السياق، يؤكد مستشار السلامة والصحة المهنية والبيئية، المهندس أسامة أبو نواس، أن هذه الحادثة المؤلمة تؤكد بأن السلامة والصحة المهنية ليست مجرد إجراءات شكلية، بل هي مسألة حياة أو موت، خاصة في أماكن العمل التي تحتوي على مخاطر وآلات دوارة مثل الكسارات والعجانات الصناعية، والتي تشكل تهديدا مباشرا على سلامة العاملين.
وحول معايير السلامة المهنية والإجراءات الأساسية التي يجب اتخاذها في المنشآت الصناعية، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، يشير أبو نواس وهو مدير دائرة الأمن والسلامة والمرافق في شركة قرية العقبة اللوجستية إلى أن هناك مجموعة من الإجراءات الأساسية التي لا يجوز التهاون بها عند تشغيل الآلات، خصوصا فيما يتعلق بالحادثة الأخيرة المرتبطة بالعجانات الصناعية.
من أبرز هذه الإجراءات، وفقا لأبو نواس، إجراء تقييم المخاطر قبل تشغيل أي آلة لمعرفة جميع المخاطر المحتملة، والتأكد من أن العامل أو العاملة مدربة تدريبا كافيا على التشغيل الآمن لهذه الآلات.
ويضيف أن من الضروري عدم تشغيل العجانات قبل التأكد من توفر جميع متطلبات السلامة، مثل الأغطية الوقائية والحواجز الواقية، لتقليل المخاطر المحتملة على العاملين، هذه الإجراءات تعتبر من أبسط متطلبات السلامة، وهي معترف بها محليا ودوليا.
أما فيما يتعلق بالملابس والمعدات التي يجب أن يرتديها العامل أو العاملة في المصانع والمنشآت الصناعية، خاصة عند التعامل مع آلات دوارة، فيشير أبو نواس إلى أن ارتداء الملابس الفضفاضة أو الأغطية غير المصممة للعمل الصناعي يشكل أحد أخطر السلوكيات، وفقا لتقارير وحوادث عالمية، فالمجوهرات مثل السلاسل والخواتم والساعات أو الشعر الطويل قد تتعرض للالتفاف حول الآلات، مما يزيد من خطورة الحوادث.
ويوضح أن المنشآت الصناعية عادة ما تنقسم إلى مناطق، مثل المنطقة A والمنطقة B، حيث يجب على العامل ارتداء ملابس العمل الكاملة قبل الدخول إلى مناطق التشغيل، مع الامتناع عن استخدام الهواتف المحمولة أو ارتداء أي مجوهرات أو ملحقات قد تسبب خطورة.
هذه الضوابط يجب الالتزام بها في جميع المصانع، سواء كانت عائلية أو كبيرة، فالقاعدة واحدة ولا تختلف، رغم أن الإمكانيات قد تختلف بين المنشآت الصغيرة والكبيرة، بحسب أبو نواس الذي يشير إلى أن الحوادث في المصانع الصغيرة غالبا ما تكون أكثر خطورة بسبب غياب الرقابة والتدريب في بعض الحالات.
ويرى أبو نواس أن غياب موظف السلامة أو عدم التزامه بمراقبة الإجراءات يزيد من خطورة الحوادث، فقد يصبح الموظف شريكا في الحادث نتيجة الإهمال أو عدم تحديد المخاطر في بيئة العمل.
التشريعات والقوانين
بحسب التشريعات والقوانين والتعليمات الصادرة عن وزارة العمل، هناك تشديد واضح وإجراءات تفصيلية متكاملة للسلامة، لكن التطبيق الفعلي على أرض الواقع يحتاج إلى مراقبة دقيقة، خصوصا في المنشآت العائلية والصغيرة، حيث غالبا ما تظهر فجوات كبيرة تؤدي إلى أخطاء شائعة وحوادث خطيرة، وفقا لأبو نواس.
من أبرز الأخطاء الشائعة التي يوضحها أبو نواس تشغيل الآلات دون تدريب كاف، التهاون في ارتداء معدات السلامة أو عدم توفيرها، تعطيل الحواجز الواقية لتسريع الإنتاج، والثقة الزائدة عند العمل في بيئة عائلية تجعل بعض العاملين يعتقدون أن التعليمات لا تنطبق عليهم، إضافة إلى غياب ثقافة السلامة بشكل عام، وهو ما يؤدي إلى حوادث خطيرة.
وحول العلاقة بين الالتزام بمعايير السلامة العامة وإجراءات الوقاية وجودة المنتج والنظافة، يشير إلى أن أي إهمال في معدات السلامة، مثل غطاء الرأس، قد يؤثر على السلامة العامة وجودة المنتج معـ ومن هنا تأتي أهمية حصول الشركات على شهادات مثل ISO، وإجراء التدقيقات الداخلية لضمان الالتزام بالتشريعات والمعايير دون أي نقصان، بما يحمي المستخدم النهائي ويضمن سلامة المنتج.
من جهتها، تؤكد وزارة العمل أن منظومة السلامة والصحة المهنية شهدت تطويراً شاملاً خلال عامي 2023 و2024، عبر تحديث الأنظمة والتعليمات بهدف تعزيز حماية العاملين وتحسين بيئات العمل.
وكشف تقرير رسمي لمديرية السلامة والصحة المهنية في الوزارة عن التحقيق في 145 حادث عمل منذ بداية العام وحتى نهاية تشرين الثاني، وتسجيل 97 شكوى تتعلق بعدم توفر معايير السلامة، و48 شكوى حول إصابات وحوادث عمل.
كما بلغ عدد مشرفي السلامة المهنية المعتمدين 1,299 مشرفاً، و340 لجنة سلامة داخل المؤسسات.
وأكدت الوزارة أن الرقابة الميدانية المستمرة تأتي في إطار جهودها لضمان تطبيق التشريعات والحد من المخاطر المهنية وتوفير بيئة عمل آمنة وصحية.
استراتيجية وطنية للسلامة المهنية
ويشدد أبو نواس على رسالته الأساسية لأصحاب المصانع والمعامل، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، إن السلامة ليست إجراءات شكلية، بل هي مسألة حياة أو موت، واستثمار حقيقي في الأرواح.
ويشير إلى أن الآلات لا تميز بين رجل أو امرأة، أو بين صاحب عمل وأفراد العائلة، وأي إهمال بسيط قد يتحول في ثوان إلى حادث خطير.
في عام 2023، أعلن الضمان الاجتماعي إطلاق استراتيجية وطنية للسلامة والصحة المهنية للفترة 2023 لغاية 2027، بالشراكة مع الجهات المعنية، بهدف الوقاية والحد من حوادث وإصابات العمل، وتعزيز ثقافة السلامة في مواقع العمل عبر التزام المنشآت بتوفير متطلبات السلامة.
كما أطلقت المؤسسة جائزة التميز في الصحة والسلامة المهنية للفترة 2023–2024، تقديراً للمنشآت والأفراد الذين ساهموا في تحسين بيئات العمل، وهي مبادرة تهدف إلى نشر ثقافة الوقاية ومكافأة الالتزام بالممارسات السليمة.












































