من عبء إلى مورد: الاقتصاد الدائري يمد يده لمزارعي الأغوار
يكشف التقرير أثر إنشاء مصنع لإعادة تدوير البلاستيك الزراعي في لواء دير علا في تخفيف عبء بيئي ومالي طالما أثقل كاهل المزارعين في الأغوار الأردنية.
"احنا مبسوطين، هذا أكثر ما يمكن أن أقوله لك"، بهذه الكلمات عبر المزارع نايف أبو بدوان من منطقة طبقة فحل عن سعادته حين أعلن عن مصنع إعادة تدوير البلاستيك الزراعي في لواء دير علا.
يمتلك أبو بدوان 28 دونما مزروعة بالحمضيات وخمسة بيوت بلاستيكية للخضار، وكان التخلص من مخلفات البلاستيك بعد كل موسم يمثل له ولجيرانه المزارعين عبئا بيئيا وماليا، على الرغم من تبرعهم ببعضها للجمعيات يتبقى الكثير.
اليوم، وبعد أقل من عام على افتتاح المصنع الممول من الاتحاد الأوروبي وبشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في الأردن، ووزارة الداخلية، تحولت هذه المخلفات إلى مدخلات إنتاجية.
نتيجة لذلك حقق المشروع عددا من أهداف التنمية الأمم المتحدة للمستدامة منها ال بناء مدن مستدامة، وأنماط إنتاج مسؤولة، وتعزيز العمل المناخي في الحد من آثار التلوث، ويعد المصنع أول منشاة متخصصة في المنطقة لمعالجة البلاستيك الزراعي.
يتذكر أبو بدوان أول يوم تعاون فيه مع المصنع، كمزارع وعضو في جمعية الشيخ حسين، حين قاد سيارة النقل لنحو ساعة من طبقة فحل إلى دير علا، بعد أن جمع المخلفات البلاستيكية مع جيرانه ، برابيش التنقيط المهترئة، والبرش البلاستيكي، يقول: "عندما وصلنا إلى القبان ووزنا الحمولة، شعرت بانشراح كبير، هذا من أفضل المشاريع الي شفتها في المنطقة".
أثر مجتمعي
أثرت تجربة المصنع بشكل مباشر على النساء والمجتمع المحلي، تقول السيدة نسرين أبو دومي، رئيسة جمعية الشيخ حسين: "بدأنا بجمع البلاستيك على نطاق محدود قبل افتتاح المصنع، ثم توسعنا بعد حصولنا على منحة السيارة من UNDP وبدء تشغيل المصنع، فصار العائد المالي من بيع البلاستيك يساهم في دعم جزء من أنشطة الجمعية واحتياجاتها".
تشير أبو دومي إلى أن عمليات الجمع تتم كل شهرين تقريبا، وتستغرق نحو عشرة أيام بحسب حجم المخلفات المتوفرة في المزارع، بعض النساء يشاركن في الجمع بشكل تطوعي، بينما تدفع مبالغ مالية للآخرين وفق سعر الكيلوغرام في السوق.

امتد أثر المصنع ليخدم سبع بلديات في الأغوار الشمالية والوسطى والجنوبية، فمساحات الزراعة في الأغوار الشمالية نحو 118 ألف دونم، منها 66 ألفا مزروعة بالحمضيات و34 ألف بالخضروات، فيما تبلغ مساحة الخضروات في دير علا نحو 9 آلاف دونم، ونحو 5 آلاف دونم في الشونة الجنوبية.

الأثر البيئي
ومع هذا الامتداد الجغرافي الواسع لتأثير المصنع، يبرز بعد آخر لا يقل أهمية، تمثل في التحول البيئي الناتج عن تغيير سلوك المزارعين في التعامل مع المخلفات البلاستيكية التي كانت تشكل محاذير بيئية في الأغوار.
قبل المشروع، كان المزارعون يتركون البلاستيك في الحقول ليتحلل، أو يحرقونه، بحسب مشاهدات باسل أبو دحيله، وهو مزارع من دير علا، يقول:" أيضا أحيانا ينتظر المزارعون تجار الخردة القادمين من عمّان" وعن رأيه في إنشاء المصنع، يضيف:" بالطبع كان هاجس المزارع كيف يتخلص من المخلفات، وهي ا(المرش) العازل بين التربة والأشتال يمتد المرش الواحد لعشرات الأمتار" ونوه أن المزارع يستخدمه كل دورة زراعية أي كل 3 أشهر، وتستبدل أغطية البيوت البلاستيكية كل ثلاث سنوات.

تشير بيانات مديرية البحوث الزراعية إلى حجم المشلكة، القطاع الزراعي الأردني يستهلك نحو 17 ألف طن من البلاستيك سنويا، ما يجعل التلوث البلاستيكي أحد أبرز التحديات البيئية في الأردن، وتشكل النفايات البلاستيكية نحو 15–20% من إجمالي النفايات الصلبة، أي ما يقارب 405 آلاف طن سنوياً، فيما يتسرب نحو 129 ألف طن إلى البيئة ملوثا التربة والمياه.
يؤكد الخبير البيئي ورئيس اتحاد الجمعيات البيئية، عمر الشوشان، على أهمية المشروع وتأثيره على المنطقة، يقول:"إن إنشاء هذا المصنع تحولا نوعيا، وانتقالا من حلول ظرفية إلى نموذج يدمج البعد البيئي بالاقتصادي والاجتماعي، في واحدة من أكثر المناطق حساسية وأهمية للأمن الغذائي الوطني".
ويشير كذلك إلى أن بقاء البلاستيك الزراعي في التربة يؤدي إلى الإخلال ببنية التربة الفيزيائية، كما ويقلل من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية، وما يزيد الأمر خطورة تحلله إلى جزيئات دقيقة يمكن أن تنتقل عبر السلسلة الغذائية، ما يشكل تهديدا مباشراً للإنتاج الزراعي وصحة الإنسان.
علاوة على ذلك، بشأن ممارسة حرق المخلفات، يوضح الشوشان أنه أخطر الملوثات الهوائية ، تضر بالعمال والمجتمعات المحلية، كما يزيد من انبعاثات الكربون، في وقت يواجه فيه الأردن تحديات متصاعدة مرتبطة بالتغير المناخي.
تطلعات المشروع
من جهتها، ترى وزارة البيئة في مشروع المصنع خطوة نوعية، إذ تتوقع أن يسهم المصنع في خفض ما يقارب 5 آلاف طن من النفايات البلاستيكية خلال السنوات الخمس المقبلة.

وعن آلية عمل المصنع،يعلق مديره غالب الصغير : "نتعاون مع وسطاء وسيارات كانت تنقل البلاستيك إلى عمّان، إضافة إلى البلديات؛ لضمان توريدها بانتظام، كما وجهنا دعوة للمزارع الكبيرة للمشاركة".
وفيما يتعلق برؤيته المستقبلية، يرى الصغير أن المشروع مشجع ويصب في خدمة البيئة، ولديه إمكانيات لتحويل حبيبات البلاستيك إلى منتج (المرش) لكن بحسب قوله لا تسمح مساحة المصنع الحالية بذلك وتحتاج لتمويل، ويشير الصغير إلى أنها التجربة الاولى له في مشاركة القطاع العام، مشيدا بدعم الاتحاد الأوروبي، داعيا الجمعيات إلى التعاون: "تعاونهم سيكسبهم دخلا إضافيا".

علق شاتزيسافاس، سفير الاتحاد الأوروبي أثناء زيارته التفقدية الأخيرة للمصنع يناير الحالي، أنه يشجع استمرار العمل في الاقتصاد الدائري واستدامة التشغيل والشراكة ما بين القطاع العام والخاص.
ينتج المصنع حاليا ما بين ستة إلى عشرة أطنان من حبيبات البلاستيك، ويذكر أنه بني على مساحة 1400 م²، بقيمة مليون و200 ألف دولار، و يوفر نحو 50 فرصة عمل خضراء لأبناء المجتمع المحلي في وادي الأردن.










































