عندما يخذل المجتمع نساءه

الرابط المختصر

لم يكن عام 2025 سهلاً على نساء أردنيّات، فعشرون ضحية منهنّ خسرن حيواتهنّ نتيجة 17 جريمة قتل، كان مرتكبوها ذكوراً من العائلات. وقد رافق الضحايا أجنّةٌ أو أطفالٌ رُضَّع أو في سنوات طفولتهم الأولى، نتيجة "سورة غضب" أو "شكّ" أو مجرّد عدم رضى أحدهم، كما حصل مع فتاة فقدت حياتها لأنها لم تُحضر الخبز مع صينية الإفطار لأخيها فقط. ... غالباً لا تموت المرأة وحدها، حتى لو عاش أطفالها بعدها؛ فألم اليُتم ومشاهد الجريمة (النحر أو الطعن أو إطلاق نار مباشر أو الضرب العنيف) لنساء على مرأى من أطفالهنّ، لا تترك أملاً أمامهم للعيش أسوياء، وكأنّهم أصلاً ينقصهم عنف نفسي وتعنيف جسدي في هذه العائلات. والطفل، ذكراً أم أنثى، ضمن هذه الدوائر المُعنِّفة، مستقبله بالغاً ليس أفضل من سابقه في العائلة؛ فهو غالباً سيكبر معتاداً على العنف فيوجّهه إلى غيره، أو متصالحاً معه فلا يرى فيه جريمة أو حتى سلوكاً غير طبيعي.

وراء كل جريمة بحق إمرأة قصّة تبعث على الغضب واليأس، يتداخل فيها الواقع الاقتصادي الضاغط على المجتمع الأردني مع موروثات اجتماعية بالية

كما أن سكوت المجتمع، وخصوصاً الدوائر القريبة من الضحية والجاني، بل تواطؤهم في أغلب الجرائم، وصمتهم عن سنوات من التعنيف الذي يمارسه أخٌ أو أبٌ أو زوجٌ تجاه نساء العائلة، من الأسباب الرئيسة التي إمّا أن تحرّض على تلك الجرائم أو تسمح بحدوثها. فلم يعد مستغرباً أن يتنازل الأهل عن الحقّ الشخصي في ملاحقة الجاني، وبالتالي، إذا حُكم عليه سيكون بعقاب لا يوازي بشاعة الجريمة، وكأنّ النساء هنا ما زلن يُعاملن "متاعاً" أو "ملكيةً" أو مجرّد "شيء" كان موجوداً ثم لم يترك أثراً، حتى فراغاً بعده.
صحيح أن عدد جرائم القتل ضدّ النساء تراجع في العام الذي مضى بواقع ثلاث جرائم عن سابقه، ولكن هناك تفاصيل أكثر عمقاً من جمود الإحصاءات؛ إذ ما زال عدد الضحايا من النساء كبيراً، وشكل الجريمة أصبح أكثر بشاعةً ودمويةً باستخدام أدوات نارية وطعن متتالٍ ومُتعمَّد. وبعيداً عن الأرقام، زادت أم نقصت، وهنا لا أبرر ولا أسوق أسباباً، وإنما أُشخّص جرائم لا تنفصل عن المحيط وبيئة كلٍّ من الضحية والجاني؛ فإنّ وراء كل جريمة قتل ضحيتها امرأة كانت وحيدةً وبمعزل عن أيّ دوائر دعم ومساندة.
وراء كل جريمة قصّة تبعث على الغضب واليأس، بتفاصيل متشابكة ومركّبة، يتداخل فيها الواقع الاقتصادي الضاغط على المجتمع الأردني مع موروثات اجتماعية بالية، مستندة إلى تفسيرات دينية غامضة أحياناً، وتغيّرات اجتماعية عميقة على بنية المجتمع. وقد تصدّرت محافظتا إربد في الشمال والزرقاء في الوسط أرقام الجرائم هذا العام، للأسف، على نحوٍ مخالف لأعوام قبله أظهرت أنّ أكثر جرائم قتل النساء تحدث في العاصمة عمّان.
كشفت إحصاءات حديثة للأمم المتحدة أرقاماً صادمةً وصورةً قاتمةً لواقع العنف ضدّ النساء، أنّ 83 ألف امرأة وفتاة قُتلن عمداً في 2025، وأن 60% منهنّ قُتلن على أيدي شركاء أو أفراد أسرهنّ، بمعدّل 137 حالة قتل يومياً في المتوسّط، أي ما يعادل امرأة كل عشر دقائق. ويعني هذا أن العالم لا يبدو آمناً للنساء؛ إذ كيف نسمح في كل مكان أن تكون سيّدة معرّضة للقتل فقط لأنها امرأة، وتدخل ضمن سلطة ذكورية شرسة ترى في العنف تأديباً وإصلاحاً، بل مجرّد سلوك طبيعي يُمارس يومياً بجميع أشكاله؟ يبدأ لفظياً، ويتلوّن بين جسدي ونفسي واقتصادي ورقمي، لينتهي بقرار متعالٍ بإنهاء حياة إنسان. بل إنّ الغرور وجنون السلطة الذكورية امتدّا إلى استخدام الاغتصاب وقتل النساء سلاحاً في حروبٍ وصراعاتٍ سياسية دموية، لا شأن للمدنيين، ومنهم النساء، بها. ويبدو أن إنكار أن النساء شريكات في المجتمع ولهنّ مكان ومكانة هو أمر عالمي، ولا يقتصر على المجتمع الأردني الذي، رغم دعمه واحترامه للنساء بالمجمل، إلّا أنّ هناك فئات ما زال وعيها مغيّباً تجاه معايير المساواة بين الجنسين، وتعتبر من يدعو إلى ذلك خائناً للعرف والدين بل حتّى للوطن، وأن هذه أجندات أجنبية تعمل لخراب المجتمع الأردني وضياع بناته وأبنائه وهدم الشكل التقليدي للأسرة ذات القوامة والسطوة الذكورية.
تختفي هذه القوامة بقدرة قادر عند مسؤولية الإعالة؛ فهناك أكثر من نصف مليون أردنية يَرأسن أُسراً ويقمن بالإعالة الاقتصادية وإدارة شؤون الأسرة، وكثير من هؤلاء النساء قاصرات. وتتناقض هذه النظرة الاجتماعية غير المنصفة للنساء في الأردن على نحوٍ لافت مع التوجّه الرسمي؛ إذ تنصف القوانين بتعديلاتها المستمرّة النساء بشكل أو بآخر، وكذلك الحال بمخرجات لجان الإصلاح الملكية التي زادت فرص وجود النساء في البرلمان ومقاعد الإدارة المحلية (في الانتخابات المقبلة) ومناصب وزارية في الحكومة والقيادات الإعلامية العليا، وفي القطاع العام.

أثبتت التجارب أن التغيّر الإيجابي يبدأ من النساء وقدرتهنّ على التأثير أسرع في محيطهنّ

وربّما تفسّر هذا التناقض النظرة التخوينية وأحياناً الدونية للناشطات وحتّى الناشطين في حقوق النساء، وجعل مهمتهم في الدفاع عن تلك القضايا صعبة وأحياناً مستحيلةً في قضايا حسّاسة، ما دفع كثيرين منهم إلى حصر الحديث عن تلك القضايا في السياق المجتمعي العام للخروج بأقلّ الخسائر، والاكتفاء بالتأثير المتواضع خوفاً من خسارة القضية كلياً.
ويجري التغافل عن أنّ هذا النهج لا يؤثّر على مكانة النساء وفرص تمكينهنّ في المجتمع فحسب، وإنما يقلّل من فرص التغيير المجتمعي؛ إذ أثبتت التجارب أن التغيّر الإيجابي يبدأ من النساء وقدرتهنّ على التأثير في محيطهنّ أسرع. فلماذا نخذل النساء ونصمت مجتمعاً وأطرافاً مؤثّرةً عن حجم العنف بأشكاله الذي تتعرض له النساء يومياً، ويعشن الخذلان باستمرار، إن كُتب لهنّ العيش أصلاً.