ضغوط معيشية مستمرة .. رواتب منخفضة ونساء يتحملن أعباء مضاعفة

الرابط المختصر

تعيش العديد من الأسر، خاصة تلك التي ترأسها نساء، واقعا اقتصاديا صعبا يجعل الادخار شبه مستحيل ويضعها تحت ضغط مستمر لتغطية احتياجاتها الأساسية، تقول أم لأسرة، تعمل وترعى أبنائها بنفس الوقت، "نحن مسؤولات عن دور الأب والأم معا، الدخل بالكاد يكفي، ولا يمكن الادخار، حتى في الصيف، كل ما تبقى يخصص لسداد أقساط الجامعات والكهرباء والمياه، وأحيانا نضطر لتأجيل فاتورة كهرباء لتغطية الأولويات الأساسية."

وتضيف سيدة أخرى "الراتب بالكاد يغطي الالتزامات الشهرية، بين إيجار البيت وفواتير الكهرباء والمياه، الطعام يمكننا توفيره قليلا، لكن أوضاعنا صعبة للغاية."

ويشير أبو خليل، إلى أن ضيق الحياة وارتفاع الأسعار جعل الادخار تحديا يوميا، "حتى المخالفات المرورية والفواتير الأخرى تضغط على ميزانية الأسرة، نهاية كل شهر الجميع يواجه نفس المعاناة."

وتؤكد أم حمد أن الوضع يختلف بين الصيف والشتاء "أستطيع الادخار قليلا في الصيف بسبب طبيعة عملي، أما في الشتاء فمعظم الدخل يذهب لتغطية الكهرباء والمياه والسيارة والإنترنت."

في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة تشير الأرقام إلى أن أكثر من نصف رواتب العاملين في الأردن تقل عن 400 دينار شهريا، وهو ما يجعل الادخار شبه معدوم في معظم الأسر.

كما يواجه المتقاعدون أوضاعا أكثر صعوبة، حيث يتقاضى أكثر من 90 ألف متقاعد رواتب تقل عن 200 دينار شهريا، ما يزيد الضغط على مواردهم الأساسية.

وفي السياق ذاته، كشف مؤشر الرأي العربي لعام 2025، الذي نفذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن غالبية الأسر الأردنية لا تدخر من دخلها اليومي، ورغم أن 7% فقط لاحظوا تحسناً في الوضع الاقتصادي، يرى 40% أن الوضع سيئ، بينما ربط 14% من المشاركين هذا السوء بعدم الاستقرار السياسي.

وأظهرت النتائج أن معظم الأسر تقع ضمن فئة الكفاف أو العوز، وتعتمد على القروض والمساعدات لتغطية احتياجاتها الأساسية، ما يجعل الادخار شبه مستحيل ويزيد الضغط النفسي على الأسرة.

 

واقع الدخل والبطالة والفقر

يعتبر الخبير الاقتصادي منير دية أن المواطن الأردني يواجه اليوم ضغوطا اقتصادية متزايدة، في ظل محدودية الدخل وتراجع الرواتب، مما يجعل الواقع المعيشي بعيدا عن أي مؤشرات إيجابية قد حققها الاقتصاد المحلي خلال عام 2025، موضحا دية أن هذه المؤشرات لم تنعكس فعليا على حياة المواطن اليومية، حيث لا تزال الأوضاع الاقتصادية الحقيقية صعبة للغاية.

ويشير إلى أن معدلات البطالة ما تزال ضمن الأعلى عالميا، حيث بلغت نحو 21.3%، ما يعادل حوالي 460 ألف شاب وشابة عاطلين عن العمل، بينما نسب الفقر لم تتغير كثيرا، إذ تتراوح بين 27 و28%، وتظهر أعلى في بعض الدراسات. 

ويضيف أن الدخل الحقيقي للمواطن لم يشهد أي تحسن منذ 2015، بل شهد تراجعا من 2,800 دينار سنويا إلى حوالي 2,500 دينار سنويا، رغم ما ورد في رؤية التحديث الاقتصادي عن زيادة تدريجية بنحو 3%.

ويرى أن كثيرا من الأمور التي كانت تعتبر في السابق كماليات، أصبحت اليوم ضروريات لا يمكن الاستغناء عنها، مثل التعليم، والصحة، والسكن، وفواتير الكهرباء والماء، والقروض، مضيفا أن محدودية الدخل تجعل المواطن عاجزا عن مواجهة هذه الالتزامات اليومية، سواء في القطاع العام أو الخاص، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسر.

 

 

 

وبحسب دائرة الإحصاءات العامة، بلغ معدل البطالة في الربع الأول من عام 2025 نحو 21.3% من القوى العاملة، وهو من بين المعدلات المرتفعة مقارنة بدول عديدة.

وفي الربع الثالث من العام ذاته، انخفض معدل البطالة الإجمالي ليصل إلى 16.2%، مع تفاوت واضح بين الجنسين، حيث بلغت البطالة بين النساء 27% مقابل 13.6% بين الرجال، فيما سجلت البطالة بين الأردنيين فقط 21.4%، مع ارتفاع ملحوظ بين الإناث، خاصة بين الخريجات الجدد.

وفيما يتعلق بالفقر، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 15.7% من الأردنيين يعيشون تحت خط الفقر وفق آخر بيانات متاحة، إضافة إلى أن قرابة ثلث السكان معرضون للوقوع في الفقر في حال التعرض لأي صدمات اقتصادية جديدة.

 

 

 

 

الأسر التي ترأسها نساء تواجه تحديات أكبر

كما أظهرت إحصاءات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2020 أن نسبة النساء اللاتي يرأسن أسرهن في الأردن بلغت 17.5%، بمجموع 392.3 ألف أسرة، في ارتفاع غير مسبوق. 

وأوضحت جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن" أن غالبية هؤلاء النساء أرامل بنسبة 74.7% حوالي 293 ألف امرأة، بينما المتزوجات يشكلن 11.8% 46.3 ألف امرأة، والعزباوات 7.5% 29.4 ألف امرأة، والمطلقات 5.8% 22.7 ألف امرأة، والمنفصلات 0.2% 784 امرأة.

الاقتصادي دية يؤكد أن واقع الحياة اليوم يفرض على كل من الرجل والمرأة العمل بكثافة لتلبية احتياجات الأسرة، موضحا أن أكثر من نصف الرواتب في الأردن تقل عن 400 دينار، في حين أن عدد المتقاعدين الذين يتقاضون أقل من 200 دينار يفوق 90 ألف شخص، ما يجعل الدخل غير كاف لتلبية متطلبات الحياة الأساسية.

ويشير إلى أن الأسر تواجه اليوم صعوبة في الادخار، حيث يذهب نحو 60% من دخل الأسرة لتسديد القروض والالتزامات السابقة، ولا يبقى ما يكفي للمصاريف اليومية، الأمر الذي يفاقم اعتماد المواطنين على القروض لتغطية الاحتياجات الأساسية.

ويضيف أن الأسر أصبحت تلجأ إلى القروض لتأمين متطلبات أساسية مثل السكن والسيارة والتعليم والصحة، نظرا لارتفاع أسعار الشقق في العاصمة عمان إلى 70–80 ألف دينار، مع الحاجة لأقساط بنكية تصل إلى 150–170 ألف دينار على مدى عشرين عاماً. وأشار إلى أن السيارة باتت ضرورة بسبب ضعف شبكات النقل العام، كما أن تكاليف التعليم، لا سيما في المدارس الخاصة والجامعات، أصبحت تتطلب اللجوء إلى القروض لتغطية الرسوم الدراسية المتزايدة.

 

الضغط النفسي والقلق المتزايد

لا يقتصر تأثير الأزمة على الجانب المادي فحسب، بل يمتد إلى الصحة النفسية للأفراد، حيث تظهر أبحاث علمية أن القلق الناجم عن الضغوط الاقتصادية يمكن أن يكون بنفس قوة أو أكثر من القلق المرتبط بالصحة، وأنه ينتج عنه تأثيرات نفسية وجسدية مهمة مثل اضطرابات النوم والصداع والتوتر المزمن. 

وبين استشاري الطب النفسي الدكتور عبد الرحمن مزهر  في تصريحات سابقة  ارتفاع كبير في معدلات القلق بين الأردنيين، موضحا أن النسبة ارتفعت بما يزيد عن 300% منذ عام 1990 وحتى عام 2021، لتصل إلى 42%، مقارنة بنسبة 4% على المستوى العالمي.

ويرجع  مدرب اختصاص نفسي الدكتور مهند فرعون، ذلك إلى العوامل الاقتصادية  التي تلعب دورا مهما في زيادة مستويات القلق لدى الأفراد، مشيرا إلى أن التفكير المستمر في المستقبل والضغوط المالية اليومية يفاقم شعور المواطنين بعدم القدرة على السيطرة على حياتهم.

ويضيف أن القلق المستمر يؤثر على العلاقات الأسرية والاجتماعية والإنتاجية، وقد يؤدي إلى أعراض جسدية مثل الصداع المستمر، ألم العضلات، وارتفاع ضغط الدم، وهو ما يكبد الاقتصاد الوطني خسائر نتيجة تراجع الإنتاجية. 

ويؤكد أن أساليب التخفيف تشمل تحسين نمط الحياة وجودة النوم، والتركيز على اللحظة الحالية والتنفس البطيء، مع ضرورة تكامل جهود المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية لتحقيق رفاهية نفسية أفضل للأفراد.