خسائر التأمين الإلزامي تتصاعد.. والاحتيال يهدد مستقبل القطاع
في وقت تتزايد فيه حوادث السير على الطرق، لا تقتصر المشكلة على الأضرار المادية والإصابات البشرية فقط، بل تمتد لتطال قطاع التأمين الإلزامي الذي بات يواجه أزمة متفاقمة، وسط تحذيرات من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع مزيدا من شركات التأمين إلى الانسحاب، مما يضع مستقبل هذا القطاع الحيوي أمام تساؤلات جدية.
ورغم ما تقوم به إدارة السير والأجهزة الأمنية، بدورها في ضبط الحوادث وتنظيم الإجراءات، إلا أن مختصين يرون أن الخلل الأكبر يكمن في ممارسات بعض السماسرة الذين يستغلون الثغرات القانونية للتحايل، عبر شراء تقارير الحوادث ورفع قيمة التعويضات بطرق غير مشروعة، الأمر الذي يستنزف شركات التأمين ويضاعف خسائرها.
ويشهد سوق التأمين في الأردن تحديات متزايدة مع تصاعد شكاوى شركات التأمين من استمرار الخسائر الكبيرة التي تتكبدها في قطاع التأمين الإلزامي على المركبات، والتي تعزوها إلى ارتفاع التكاليف، وانتشار حالات الاحتيال، وضعف الجدوى الاقتصادية لهذا النوع من التأمين.
وقد دفعت هذه الخسائر بعض الشركات إلى الانسحاب من تقديم التأمين الإلزامي، فيما اتجهت شركات أخرى إلى الخروج من السوق بالكامل، مما أثار مخاوف من انعكاسات محتملة على المواطنين والاقتصاد الوطني، في ظل غياب حلول تنظيمية واضحة حتى الآن.
تشير بيانات المعهد المروري ومديرية الأمن العام إلى تصاعد ملحوظ في عدد الحوادث المسجلة خلال العامين الأخيرين، حيث بلغ عدد الحوادث في عام 2023 نحو 170 ألف حادث، بينما ارتفع في عام 2024 إلى ما يقارب 190 ألف حادث، بزيادة تقارب 12% خلال عام واحد.
ولا تقتصر خطورة هذه الأرقام على الجانب المروري فقط بحسب شركات التأمين، بل تمتد إلى كلفة اقتصادية ضخمة، إذ تشير تقديرات شركات التأمين إلى أن قيمة التعويضات الناتجة عن حوادث السير تصل إلى نحو 240 مليون دينار سنويا، تشمل تعويضات الإصابات والأضرار المادية ونفقات العلاج والتعطل عن العمل.
وفي المقابل، تكشف بيانات رسمية حجم التوتر المتزايد بين المواطنين وشركات التأمين، إذ تشير بيانات البنك المركزي الأردني إلى أن عدد الشكاوى المقدمة ضد شركات التأمين تجاوز 3 آلاف شكوى خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، شكلت شكاوى تأمين المركبات النسبة الأكبر منها بما يزيد عن 99% من إجمالي الشكاوى، مما يعكس حجم الإشكاليات التي يواجهها المواطنون في هذا القطاع.
وبحسب البنك المركزي، تضمنت بعض الشكاوى اتهامات بقيام شركات تأمين بالمماطلة في تسوية مطالبات الحوادث وتأخير تسليم مبالغ التعويض للمواطنين، الأمر الذي أدى إلى تزايد التوتر بين المؤمن لهم والشركات، في ظل اعتماد كثير من المتضررين على التعويضات لتغطية تكاليف العلاج أو إصلاح المركبات.
الرئيس التنفيذي لاتحاد شركات التأمين الدكتور مؤيد الكلوب يؤكد في حديثه لـ "عمان نت" الأسباب التي تستند إليها شركات التأمين في تفسير خسائرها في قطاع التأمين الإلزامي، مبينا أن أي قطاع إنتاجي أو اقتصادي، سواء كان يقدم سلعة ملموسة أو خدمة غير ملموسة، تتم محاسبته على النتائج بناء على مدى تحكمه بالمدخلات، إلا أن قطاع التأمين بحسب قوله لا يمتلك القدرة على التحكم بهذه المدخلات.
ويشير الكلوب إلى أن قيمة القسط التأميني يتم تحديدها من قبل الدولة، وبالتالي لا تملك شركات التأمين حرية التسعير أو تعديل الأقساط وفقا لحجم المخاطر أو الخسائر.
أما فيما يتعلق بالتعويضات، فيوضح أن غالبية تقارير التعويض تأتي من خارج قطاع التأمين، مما يعني أن الشركات تتحمل أعباء مالية دون أن تكون طرفا في تحديد قيمتها.
"الكروكات" بوابة الاحتيال والخسائر تتضاعف
ويحذر الكلوب من انتشار عمليات التحايل التي تستهدف شركات التأمين، مشيرا إلى أن بعض السماسرة يلجأون إلى شراء "الكروكات" أو تقارير الحوادث، ثم بناء مطالبات وتعويضات إضافية عليها، من خلال تقارير طبية قد تتضمن نسب عجز غير دقيقة أو مبالغاً فيها.
ويؤكد أن هذه الممارسات تؤدي إلى تضخيم قيمة التعويضات التي تدفعها الشركات بشكل غير عادل، رغم أن كثيرا من الحوادث تكون صحيحة في أصلها، إلا أن العبث يبدأ لاحقا عند الاتجار بالتقارير وتحويلها إلى وسيلة للكسب غير المشروع.
وحول الأطراف التي قد تتضرر في حال انسحاب شركات التأمين من تقديم التأمين الإلزامي، موضحا الكلوب أن شركات التأمين هي المتضرر الأول حاليا، لأن انسحاب بعض الشركات يؤدي إلى تركز التأمين الإلزامي لدى الشركات المتبقية، مما يضاعف العبء والخسائر عليها.
ويشير إلى أن الخدمة ما تزال متوفرة في السوق الأردني، إذ تقدمها حاليا 10 شركات من أصل 19 شركة، لافتا إلى أن انسحاب إحدى الشركات الكبرى مؤخرا جاء نتيجة الخسائر المتواصلة، إلا أن الشركات الأخرى ما تزال تعمل ضمن نظام المكتب الموحد الأردني وتواصل تقديم التأمين للمواطنين.
ويحذر في الوقت ذاته من أن بعض الشركات بدأت تفكر جديا بإيقاف تقديم التأمين الإلزامي خلال السنوات المقبلة، والاكتفاء بأنواع التأمين الأخرى الأقل خسارة، إذا استمرت الأزمة دون معالجة.
وسط هذه التطورات، يواجه التأمين الإلزامي تحديا وجوديا، إذ كشفت بيانات مدققة منشورة حتى نهاية عام 2024 أن خسائر التأمين الإلزامي بلغت قرابة 40 مليون دينار خلال عام 2024، مقارنة بخسائر وصلت إلى نحو 20 مليون دينار في عام 2023، ما يعني أن الخسائر تضاعفت خلال عام واحد فقط.
تبعات توقف التأمين الإلزامي
وحول المخاوف المتعلقة بإلغاء التأمين الإلزامي أو توقف تقديمه، يوضح الكلوب أن أخطر التداعيات ستكون اجتماعية وأمنية، إذ إن وقوع الحوادث دون وجود تغطية تأمينية سيضع المواطنين في مواجهة مباشرة لتحصيل حقوقهم عبر المحاكم أو بطرق أخرى، ما قد يخلق توترات ونزاعات تهدد السلم المجتمعي.
ويضيف أن هناك تبعات اقتصادية كبيرة أيضا، مشيرا إلى أن حجم التعويضات الناتجة عن حوادث السير يصل إلى نحو 240 مليون دينار سنويا تدفعها شركات التأمين، مبينا أن هذه المبالغ ستضطر جهة ما لتحملها في حال غياب التأمين، لأن المواطن غالبا لا يمتلك القدرة على دفع تعويض فوري للمتضرر.
ويلفت إلى أن إلغاء التأمين الإلزامي قد يؤدي إلى إنهاك المحاكم بالقضايا، وزيادة العبء على جهود الإصلاح الاجتماعي لمعالجة النزاعات الناتجة عن الحوادث، مؤكدا أن اتحاد شركات التأمين يأمل ألا تصل الأمور إلى توقف التأمين الإلزامي، مشيرا إلى أن الدولة تمتلك الأدوات اللازمة لضمان استمرارية الخدمة، وأن شركات التأمين رغم الخسائر تتحمل مسؤولية وطنية واجتماعية.
ويؤكد أن الحل الأكثر أهمية يتمثل في مكافحة الاحتيال وسد الثغرات التنظيمية، لأن الاحتيال يشكل العامل الأكبر في استنزاف القطاع.
أما عن فكرة دمج شركات التأمين، فيعتبر الكلوب أنها قد تكون حلا جزئيا لكنها ليست علاجا جذريا، مشيرا إلى أن اندماج الشركات الضعيفة قد يخلق شركات أضعف ويؤثر سلبا على جودة الخدمة.
ضمن محاولات المعالجة، تم تطبيق نظام يربط المخالفات المرورية بتكلفة التأمين، إلى جانب منح خصم يصل إلى 15% للأشخاص الذين لا يرتكبون مخالفات.
ورغم أن هذه الخطوات ساهمت في تخفيف الخسائر، حيث انخفضت نسبة الخسائر من 140% إلى 120%، إلا أن كتاب يقول إن القطاع لا يزال يسجل خسائر كبيرة وفق دراسات البنك المركزي الأردني.
قانون عقود التأمين 2025.. خطوة لسد الثغرات
في المقابل، بدأت الحكومة والسلطة التشريعية الدفع باتجاه تطوير الإطار القانوني للقطاع، حيث يؤكد رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية خالد أبو حسان أن مشروع قانون عقود التأمين لسنة 2025 يعد من أهم التشريعات ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، ويهدف إلى دعم التنمية المستقبلية للاقتصاد الأردني.
ويضيف أبو حسان في تصريحات له أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تشريع قانون خاص لعقود التأمين، مشيرا إلى أن القانون الحالي يقتصر على إدارة التأمين ، موضحا أن مشروع القانون جاء لتوفير مرجعية قانونية واضحة تنظم الأحكام المتعلقة بعقود التأمين وتوحد الاجتهادات القانونية، خاصة بعد ظهور اختلالات وثغرات خلال التطبيق العملي.
ويؤكد أبو حسان أن القانون يستهدف أيضا معالجة بعض السلوكيات الخاطئة التي قد تمارسها شركات التأمين بحق المواطنين، إضافة إلى الحد من ظاهرة بيع وشراء "الكروكات"، بما يضمن إعطاء كل ذي حق حقه وتعزيز ثقة المستثمرين في قطاع التأمين.
وعلى الرغم من الأزمة، يؤكد اتحاد شركات التأمين أن الشركات لم تطالب حتى الآن برفع أقساط التأمين الإلزامي، بل طالبت بمنح الشركات مرونة أكبر في الاكتتاب والتسعير وفق المخاطر، وهو ما تعتبره الجهات الرقابية غير مناسب في الوقت الحالي بسبب حساسية التأمين الإلزامي باعتباره خدمة تمس كل المواطنين.











































