تقييم احتمالات الضربة العسكرية الأمريكية لإيران في أعقاب احتجاجات 2026

الرابط المختصر

تشهد البيئة الجيوسياسية الدولية في مطلع عام 2026 حالة من الغليان غير المسبوق، حيث تتقاطع الأزمات الهيكلية العميقة داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع تحول جذري في العقيدة السياسية والعسكرية للإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب.

 إن تحليل احتمالات توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران في هذا التوقيت يتطلب تفكيكاً دقيقاً للمشهد الداخلي الإيراني الذي يواجه أوسع موجة احتجاجات منذ ثورة 1979، وفهماً معمقاً للسياق العسكري الذي أعقب "حرب الـ 12 يوماً" في يونيو 2025. 

وتبرز مراكز الدراسات الغربية، مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) ومؤسسة بروكينغز ومعهد هودسون، كجهات فاعلة في صياغة السيناريوهات التي لم تعد تكتفي بمبدأ الاحتواء، بل أصبحت تميل نحو استراتيجيات تغيير المسارات القسرية أو حتى "تغيير النظام" كخيار استراتيجي متاح.

بدأت الموجة الحالية من الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025، انطلاقاً من العاصمة طهران قبل أن تمتد بسرعة البرق لتشمل كافة المحافظات الإيرانية الـ 31. 

وعلى خلاف الاحتجاجات السابقة التي كانت مدفوعة بمطالب حقوقية أو سياسية محددة، فإن انتفاضة 2026 تتسم بكونها "ثورة جياع" تلاقت مع طموحات سياسية جذرية، حيث وصل الاقتصاد الإيراني إلى نقطة الانهيار الشامل وتهاوى الريال ليبلغ مستويات كارثية تجاوزت 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الواحد. 

وتشير المؤشرات الاقتصادية الكلية والضغوط الهيكلية في يناير 2026 إلى بلوغ معدل التضخم السنوي مستويات تتراوح بين 42.2% و52%، مما أدى لتآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والدنيا وتفاقم سخط الشارع نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 72% والسلع الصحية بنسبة 50%.

يشير تحليل صحيفة "لوموند" الفرنسية إلى أن السمة الأبرز لهذه الاحتجاجات هي دخول "البازار" وطبقة التجار على خط المواجهة، وهو قطاع تاريخي يمثل ركيزة استقرار لأي نظام في إيران. إن إغلاق المحال التجارية في طهران وأصفهان ومشهاد لم يكن مجرد احتجاج على الأسعار، بل كان تعبيراً عن فقدان الأمل في قدرة النظام على إدارة الدولة، خاصة بعد رفض البرلمان الإيراني لميزانية عام 2026 بسبب عدم شفافية إيرادات النفط والفجوة الهائلة بين الأجور والتضخم. هذا الانكشاف الاقتصادي وضع النظام أمام معضلة بين الانفتاح الدبلوماسي الكامل لرفع العقوبات، وهو ما يرفضه المرشد الأعلى، أو القمع المطلق الذي قد يفجر ثورة مسلحة.

تعمل إدارة الرئيس ترامب في عام 2026 ضمن إطار "عقيدة الحسم"، حيث حدد ترامب "خطاً أحمر" صريحاً يتمثل في ذريعة حماية المتظاهرين من القتل الجماعي، محذراً القادة الإيرانيين من أن الولايات المتحدة "ستبدأ في إطلاق النار" إذا ما استمر "القمع الوحشي". 

وتؤكد تقارير من البيت الأبيض أن الرئيس يتلقى إيجازات استخباراتية دورية، وقد كلف البنتاغون بوضع خيارات تشمل ضربات حركية قوية تستهدف نقاط الضعف في النظام. وتستلهم الإدارة الأمريكية في تعاملها مع إيران نموذج فنزويلا الذي شهد نجاحاً ملحوظاً في أوائل يناير 2026، وهو ما رفع من سقف التوقعات داخل أروقة واشنطن بإمكانية تكرار السيناريو مع النظام الإيراني.

تتنوع خيارات الرد العسكري والأمني الأمريكي المقترحة بين الضربات الجوية الدقيقة التي تستهدف قواعد البسيج ومراكز القيادة ومنشآت الطاقة لتدمير أدوات القمع الداخلي، وبين الهجمات السيبرانية الشاملة لتعطيل شبكات التحكم الحكومية. كما يتم تدارس تفعيل خدمة "ستارلينك" لتوفير إنترنت فضائي حر للمتظاهرين لكسر الحجب المعلوماتي، بالإضافة لخيار اعتراض الشحنات النفطية في أعالي البحار لتجفيف الموارد المالية المتبقية للنظام. 

ومع ذلك، يبرز تساؤل جوهري يطرحه خبراء في معهد "تشاتام هاوس" حول ما إذا كانت هذه الضربات ستعزز من وحدة النخبة الإيرانية خلف المرشد تحت شعار الدفاع عن الوطن، أم أنها ستكون القشة التي تقصم ظهر البعير وتؤدي إلى انشقاقات كبرى.

لا يمكن تقييم احتمالات الضربة في 2026 دون العودة إلى الصراع العسكري القصير والعنيف الذي وقع في يونيو 2025، حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات مدمرة على المنشآت النووية الإيرانية باستخدام قنابل "GBU-57" الخارقة للتحصينات.

 ورغم بقاء جزء من مخزون اليورانيوم المخصب، إلا أن تضرر البنية التحتية جعل البرنامج النووي الإيراني يترنح، كما أن ضعف الوكلاء مثل حماس وحزب الله الذين تعرضوا لعمليات تفكيك جزئي في أواخر 2025 جعل طهران تبدو أكثر انكشافاً من أي وقت مضى.

 ووفقاً لمعهد هودسون، فإن إيران فقدت "هالة الحصانة" التي تمتعت بها لسنوات، مما شجع الأصوات المنادية بتوجيه ضربة قاضية مستغلة حالة الانقسام الداخلي.

وفيما يخص حالة القوات المسلحة الإيرانية وردود الفعل المحتملة، فقد تم وضع الحرس الثوري في حالة استنفار قصوى تفوق مستويات حرب 2025، وسط تقارير عن اعتقالات داخل صفوفه بسبب رفض إطلاق النار على المتظاهرين. أما الجيش النظامي فيُنظر إليه على أنه أقل أيديولوجية، وتخشى القيادة السياسية من احتمال انشقاقه وانحيازه للشعب، خاصة وأنه غير مدرب على قمع الاضطرابات المدنية. وعلى الرغم من هذه التحديات، لا تزال إيران تحتفظ بقدرة على شن هجمات صاروخية انتقامية ضد القواعد الأمريكية في المنطقة وضد أهداف داخل إسرائيل.

بحلول منتصف يناير 2026، وثقت وكالات حقوق الإنسان مقتل مئات المتظاهرين، في حين تشير تقديرات المعارضة ومصادر في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن الرقم الحقيقي قد يتجاوز آلاف القتلى نتيجة استخدام الرصاص الحي والقناصة. 

إن لجوء النظام إلى التعتيم الرقمي الشامل بقطع الإنترنت بنسبة تصل إلى 99% منذ 8 يناير 2026 هو مؤشر يسبق عادة القيام بمجازر واسعة. ومع ذلك، فإن وصول تكنولوجيا "ستارلينك" مكن من تسريب مقاطع فيديو مروعة تظهر جثثاً ملقاة في الشوارع، مما زاد من الضغط الشعبي على إدارة ترامب للتدخل العسكري.

وبالنظر إلى توزيع القوى الأمنية الإيرانية، فإن قوات البسيج تتولى القمع المباشر بدافع أيديولوجي، بينما تلاحق استخبارات الحرس قادة الاحتجاج وتواجه وحدات مكافحة الشغب إرهاقاً بعد أسابيع من المواجهة. ويشير معهد دراسة الحرب (ISW) إلى أن النظام يواجه أزمة أمنية ناتجة عن تمدد الاحتجاجات في أكثر من 574 موقعاً جغرافياً، مما جعل من الصعب نقل التعزيزات وأوجد فرصة ذهبية لضربة عسكرية تهدف إلى كسر العمود الفقري للنظام أثناء انشغاله بالداخل. 

وينقسم الجدل الاستراتيجي في واشنطن بين تيار يرى في الضربة العسكرية عاملاً مسرعاً للانهيار الحتمي للنظام، وتيار يحذر من أن الهجوم قد يسمح لخامنئي بتصوير نفسه كمدافع عن السيادة الوطنية ويؤدي لحرب إقليمية ترفع أسعار الطاقة.

من الناحية اللوجستية، تشير التقارير إلى وجود فجوة ردع تكتيكية في مطلع يناير 2026 نتيجة سحب حاملات الطائرات من منطقة مسؤولية الأسطول الخامس لتغطية عمليات في فنزويلا وبحر الصين الجنوبي. حيث تتواجد الحاملة "USS Gerald R. Ford" في الكاريبي، مما يجعل أي ضربة أمريكية تعتمد بشكل أكبر على القاذفات الاستراتيجية العابرة للقارات أو الصواريخ الجوالة، وهو ما قد لا يكون كافياً لشل حركة النظام بشكل كامل ويمنحه فرصة للرد الانتقامي. وتتأرجح السيناريوهات المستقبلية بين الضربة الجراحية الوقائية التي تستهدف قادة القمع، أو حدوث انقلاب عسكري داخلي مدعوم سرياً من واشنطن، أو الاكتفاء بالمراوحة الدامية والتدخل السيبراني لتجنب حرب أبدية جديدة.

يشير التقييم النهائي إلى أن احتمالية توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران في عام 2026 هي الأعلى منذ عقود نتيجة تلاقي رغبة ترامب في الحسم مع الانهيار الاقتصادي الإيراني وضعف منظومة الردع بعد خسائر 2025. وتظل الضربة مقامرة استراتيجية كبرى بين كونها فعل تحرير أو مغامرة قد تحول إيران إلى نسخة أكبر من سوريا وتدخل المنطقة في نفق مظلم من الفوضى. وبحسب معهد هودسون، فإن النظام الإيراني لن يخرج من عام 2026 وهو يحتفظ بكامل قوته الحالية، سواء بالانهيار من الداخل أو الانكسار تحت وطأة ضربة خارجية.